ابويا ضربني
أبويا ضربني وهو فاكرني "مدمنة" أو "ماشية غلط"، مكنش يعرف إن اللي مخليني مش متزنة وبقع هو "عدو" مستخبي جوه نفوخي
"انطقي! كنتي فين وليه راجعة بتطوحي كده؟" صوت أبويا، "الحج نصار"، هز حيطان البيت. كان واقف وعروق رقبته ناطة، وفي إيده شنطتي اللي قلبها وطلع منها علبة دواء غريبة ميعرفهاش.
أنا، "مريم"، كنت ساندة على باب الصالون، الدنيا بتلف بيا، وصوته بيوصلني كأنه جاي من تحت المية. "يا بابا.. والله.. أنا كنت عند.."، مقدرتش أكمل الكلمة، لساني تقُل، وجسمي خانني وملت ناحية التربيزة.
في لحظة، كان القلم نزل على وشي بكل قسوة. "بتمثلي كمان؟ بتسكزي وتتطوحي في نص البيت وعاوزاني أصدق إنك تعبانة؟ شوفي التحاليل دي.. شوفي الفضايح!" رمى في وشي ورقة كان فاهمها غلط، كان فاكر إنها تحليل سموم، بس هي كانت بداية "الكارثة".
ماما كانت واقفة بتلطم على صدرها في المطبخ: "يا نصار استهدى بالله، البنت وشها أصفر زي اللمونة!"
أبويا زعق فيها: "انتي اللي دلعتيها لحد ما ضيعتينا! دي بترتعش زي اللي واخدة حاجة!"
حاولت أرفع راسي، الرؤية بقت غيامة سودة تماماً. "يا بابا.. أنا مش.. مش وحشة.." وفجأة، زي ما يكون حد شد الفيشة، جسمي اتخشب ووقعت في الأرض، بس المرة دي
دي كانت نوبة تشنج هزت كيان البيت كله.
في المستشفى:
الروايح المختلطة بتاعة الكلور والسبيرتو بدأت تفوقني. فتحت عيني بالعافية لقيت نفسي تحت أجهزة، وصوت المنتظم بتاع جهاز القلب.
أبويا كان قاعد بره، ساند راسه بين إيديه، ودموعه نازلة على جلبابه في صمت يقطع القلب.
الدكتور خرج من العمليات، وشه ميتفسرش. أبويا جري عليه: "طمني يا دكتور.. بنتي فاقت؟ قلها إني مكنتش أقصد.. قلها تقوم وتعاتبني بس تعيش."
الدكتور بصله بنظرة لوم قاسية وقاله: "يا حج نصار، الورم اللي في فص المخ كان ضاغط على مراكز الحركة والكلام، وده اللي كان بيخليها تدوخ وتتكلم ببطء.. الضربة اللي خدتها على وشها خلت النزيف يزيد.. إحنا عملنا اللي علينا، بس المرحلة اللي جاية هي اللي هتحدد.."
أبويا انهار تماماً وهو بيسمع إن "شكه" كان هو السبب في تدهور حالتها، وإن الورم كان حقيقة مش تمثيل.
فجأة، الممرضة خرجت تجري وهي بتنادي: "يا دكتور.. الحالة "مريم" النبض عندها بيقع، ومحتاجين موافقة فورية على جراحة استئصال حالا.. ونسبة النجاح مش مكملة 10%!"
أبويا وقف قدام اختيار مستحيل: يمضي على ورقة ممكن تكون هي السبب في موتها، ولا يستنى والمعجزة تحصل؟ وفي اللحظة
#أبويا كان ماسك القلم… إيده بترتعش
الورقة قدامه
والدكتور مستني توقيعه
والزمن واقف عند ثانية وحدة بس…
مريم فتحت عينيها بالعافية
شافت أبوها
حاولت تحرك شفايفها
الممرضة قربت ودخلت السماعة عند بقها
– «بابا… متزعلش… أنا مسامحاك…»
صوتها كان طالع متقطع
زي نفس حد بيغرق
– «مريم… بنتي… قولي للدكتور أعمل العملية… قولي عايزة تعيشي!»
صرخ فيها وهو بيبوس إيديها
ابتسمت ابتسامة صغيرة أوي
وقالِت:
– «الدوة… اللي في الشنطة… مش مخدر… ده مسكن أعصاب… كنت باخده من غير ما تعرفوا… عشان الوجع… الدكتور قال لازم جراحة من زمان… بس أنا خفت… وخبيت عليكم…»
الدكتور ساعتها اتكلم لأول مرة بصدق كامل:
– «الورم بقاله شهور، وكان ممكن يتشال بدري بنسبة نجاح كبيرة… بس الضربة سببت نزيف داخلي فجائي… دلوقتي إحنا بنجري ورا الوقت»
أبوها ضرب على صدره:
– «يعني أنا… أنا اللي…؟»
الدكتور رد بهدوء قاسي:
– «اللي حصل حصل… دلوقتي يا نمضي ونحاول… يا نستنى ونخسرها أكيد»
مريم شدّت على صباع أبوها:
– «بابا… لو مت… خلي بالك من ماما… ومتضربش حد تاني وانت مش فاهم…»
القلم وقع من إيده
وقع على الأرض بصوت كان أعلى من أي
وقّع.
دخلت العمليات
الباب اتقفل
والحج نصار قعد على الأرض
راجل كان الناس بتخاف منه
بقى طفل بيعيط:
– «يا رب… خد من عمري واديها…»
عدّت ساعة
اتنين
تلاتة
خرج الدكتور
وشه أبيض
مش مبين حاجة
– «إحنا شيلنا الورم… بس النزيف كان شديد… دخلت في غيبوبة…»
ماما صرخت
أبوها سكت
سكات موحش
مرت أيام
مريم على الأجهزة
ولا حركة
ولا صوت
وفي فجر يوم جمعة
الأجهزة صفرت
صفارة طويلة
ما بتقفش
الدكتور دخل
بص
وطفي الجهاز
وقال الكلمة اللي بتقتل أكتر من الموت نفسه:
– «البقاء لله»
في العزا
الحج نصار كان قاعد
مش بيبص لحد
ولا بيتكلم
ولا بيرفع عينه
والناس تقول:
– «بنت طيبة…»
– «ملهاش ذنب…»
– «ربنا يصبرك يا حج»
وهو سامع
بس مش شايف
غير وشها
وهي بتقول:
«أنا مسامحاك»
بعد أربعين يوم
فتح شنطتها
لقى ورقة كانت مخبية
مكتوب فيها بخطها:
"لو جرالي حاجة، قولو لبابا إني كنت تعبانة مش وحشة…
وقولو له الضرب وجع أكتر من المرض…
وأنا عمري ما خنت ثقته…"
وقع على الأرض
وحضن الورقة
وعيط
زي ما ما عيطش يوم وفاتها
من يومها
الحج نصار بقى يقف في أي خناقة
يقول:
– «استنى… يمكن اللي قدامك موجوع مش غلطان»
لكن
بعد إيه؟
بعد ما ابنته دفنت وجعها معاها في التراب.
النهاية:
مش كل اللي بيبان “ضياع”
يبقى
ومش كل اللي بيسكت
يبقى مذنب
وفيه ضرب
بيكسر جسم
وفيه شك
بيقتل روح.
ومريم…
ماتت
بس الحقيقة طلعت بعدها
متأخرة
زي دايمًا.