كان مليونير بس مكنشي بيخلف

لمحة نيوز

كان مليونير… بس ما كانش بيخلف.
وبعد ما لقى طفلين مرميين، إمبراطوريته كلها فقدت معناها.
مارسيلو قضى عشر سنين يبني إمبراطوريته بهدوء بارد كده… الهدوء اللي الواحد ما بيتعلموش غير لما الدنيا تعجنه جامد.
أرقام.
عقود.
قعدات مجالس إدارة.
طيران خاص.
عشا مع ناس بتبتسم قوي… بس نيتهم فاضية.
وكل ليلة، لما القصر يسكت، وصوت خطواته يرن في الممرات اللي أكبر من قلب واحد يعيش فيها، كان الفراغ مستنيه زي شبح معروف:
أوضة أطفال ما اتفتحتش ولا مرة.
اسم عمره ما اتقال بصوت عالي.
ضحكة ما عمرها ما حصلت على سفرته.
في عصر يوم من الأيام، القدر خلاه يقف في مكان محدش بيقف عنده.
سواقه، تياجو، دخل شارع جانبي عشان يهرب من الزحمة. المرسيدس كانت ماشية بسلاسة كأن المدينة رقعة شطرنج ومارسيلو ماسكها من فوق…
لحد ما مارسيلو شافهم.
موقع بناء مهجور، الأعشاب طالعة فيه لحد نصه.
خشب عفن.
سقف مليان فتحات، المطر ينزل منه زي السكاكين.
نوع المكان اللي الدنيا بتتناساه

عن قصد.
وعلى المدخل…
ضلّين صغيرين.
صدر مارسيلو ضاق قبل ما عقله يلحق يفهم.
قال:
"قف العربية."
تياجو اتردد:
"يا فندم…"
"قف."
نزل مارسيلو من العربية ببدلته اللي ولا غلطة فيها وجزمته اللمعة، ومشي في الطين كأن في حاجة بتناديه باسمه.
البنت ما كانش شكلها يعدي ست سنين.
شعرها مكلكع ومعقود.
وشها مليان تراب وسواد.
عينيها كبار قوي على وش طفل صغير.
وفي حضنها… شايلة رضيع ملفوف في خرقة مقطوعة وموسخة، وضامّاه على صدرها كأنه آخر حاجة حقيقية في الدنيا.
الطفل طلع صوت ضعيف…
عيّط عياط واطي ومتعب، بالعافية طالع من صدره.
والبنت…
ما سابتش حضنه ولا مليمتر.
مارسيلو نزل على ركبة واحدة من غير ما يفكر.
الأرض كانت مبلولة وطينها مسك في بنطلونه…
وهو ما خدش باله.
كل اللي شافه…
إزاي صوابع البنت بيّضت وهي ضامة الطفل أكتر،
مستعدة تحارب بجسمها كله
لو حد قرب منه…مارسيلو فضِل واقف قدّام البنت شوية، حاسس إن الدنيا كلها واقفة على النفس اللي الطفل بيطلّعه
بالعافية.
قالها تاني بصوت أهدى:
"اسمك إيه؟"
ردّت بعد تردّد:
"…مليكة."
"والبيبي؟"
بصّت للرضيع، شدّته أكتر على صدرها:
"أخويا… اسمه سام."
مارسيلو حس بقلبه بيتكسر نصين.
أخوها… مش ابنها…
بس شايلة مسؤوليته كأنها أم.
في المستشفى، الدكتور خرج بعد الكشف وقال:
"الولد عنده التهاب رئة حاد، ولو اتأخرتوا شوية كان ممكن…"
مارسيلو ما سمعش آخر الجملة.
كان باصص على إيد مليكة اللي ماسكة السرير.
قال للطبيب:
"اعمل اللي لازم يتعمل… حسابه عليّا."
مرّت أيام.
سام اتحسّن.
مليكة نامت أول مرة على سرير نضيف.
وأكلت أكل سخن.
واستحمت بمية دافية.
في تالت يوم، جت موظفة من الشؤون الاجتماعية:
"حضرتك ليك صلة قرابة بيهم؟"
مارسيلو قال من غير ما يفكر:
"آه… قلبي."
بصّتله باستغراب:
"قانونيًا؟"
سكت لحظة… وبعدين قال:
"قريبًا… هيبقوا على اسمي."
الإجراءات أخدت شهور.
تحقيقات.
محاضر.
تحاليل DNA تثبت إنهم مش أولاده فعلًا.
الناس قالت:
"ليه يعمل في نفسه كده؟"
"يشيل
حمل مش حمله؟"
هو قال جملة واحدة:
"اللي ما خلفش من جسمه… يخلف من روحه."
رجع بيهم القصر.
مليكة كانت خايفة تدخل.
قالتله:
"إحنا مش هنكسره؟"
ضحك وقال:
"إنتي كسرتي قلبي قبل كده؟"
في أول ليلة، سام صحي من النوم مفزوع.
مليكة جريت عليه.
ومارسيلو وقف ورا الباب، مش عارف يدخل ولا لأ.
سمع سام بيقول:
"بردان…"
دخل من غير استئذان، شال الطفل لأول مرة في حياته.
إيده كانت بترتعش.
قال بصوت واطي:
"وأنا كمان كنت بردان… بس إنتوا دخلتوا قلبي دفيتوه."
كبر سام.
ومليكة دخلت مدرسة خاصة.
ومارسيلو بقى يحضر اجتماعات أولياء الأمور بدل اجتماعات البورصة.
في يوم، واحد من شركاؤه قاله:
"إنت بقيت ضعيف."
رد:
"لا… بقيت بني آدم."
وفي عيد ميلاد مليكة العاشر، قالتله قدّام الناس:
"بابا… إنت مش أنقذتني بس… إنت ادتني اسم."
الناس سقفت.
وهو عيونه دمعت.
وفي ليلة هادية، بعد ما الأطفال ناموا،
وقف في نص القصر وبص حواليه.
ما بقاش يسمع صدى خطواته لوحده.
كان فيه نفسين
صغيرين بيتحرّكوا جواه.
وقال لنفسه:
"كنت فاكر إن العقم عقوبة…
طلع كان طريق.
طريق يوديني لولاد مش من دمي…
بس من قدري."

تم نسخ الرابط