حماتي طلبت مني
حماتي طلبت مني أروح أنضف لها شقتها "تنضيفة رمضان". ورغم إني كنت تعبانة ومهدودة من شغل بيتي والتنظيف وطلبات ولادي، مقدرتش أقول لا.
روحت وعملت كل اللي يرضيها شيلت البيت شيل سجاد وستاير ومفروشات خليت البيت بيبرق من النظافه
وبدل ما تشكرني، لقيتها بتقولي بكل برود: "بقولك إيه يا هناء، بكره تروحي تنضفي شقة بنتي أخت عصام، أصل البت ضعيفة وتعبانة ومش حمل مجهود. وعيالها هادين حيلها "
ساعتها مقدرتش أسكت، قلتلها بأدب: "يا ماما أنا كمان والله جسمي واجعني وتعبانة جداً، مش هقدر أعمل شقتين في يومين." وشها اتقلب وبصت لي بصة عمري ما هنسى سوادها، وسكتت.. وسكوت حماتي دايماً بيبقى وراه عاصفة.
ليلة أول يوم رمضان، رجع جوزي "عصام" من الشغل، وداخل بكرتونة كبيرة تقيلة، حطها في نص الصالة وقال بنبرة فيها حنية غريبة استغربتها: "يا هناء، دي كرتونة رمضان، حماتي (أمي) بعتاها لأهلك، شوفي ناقصها إيه وزوديه، وعاوزك تاخديها معاكي وإحنا رايحين نفطر عندهم بكرة.. قولي لهم دي هدية بسيطة مننا."
فرحت جداً، وقلت في سري "الأصيل أصيل"
إيدي وقفت مكانها، وقلبي انقبض.. فتحت الظرف وأنا إيدي بترتعش، ووقعت الصور على الرخامة زي الصواعق. صور لجوزي عصام، …صور لجوزي عصام.
مش صور عادية.
صور له وهو قاعد على قهوة، وواحدة ست معاه قريبة منه زيادة عن اللزوم…
صورة تانية وهو ماسك إيدها…
وصورة تالتة أخطر… واقفين قدام باب شقة، وهي بتضحك له، وهو باصص لها بنفس النظرة اللي كان بيبصها لي زمان.
الدنيا لفت بيا.
حسيت إن المطبخ بيضيق، والهوا اختفى.
إيدي كانت بتترعش وأنا بقلب في الصور… لحد ما لقيت صورة أخيرة، مكتوب وراها بقلم جاف:
"اللي ما تعرفوش إن عصام بقى ليه بيت تاني."
وقعت على الكرسي.
حماتي… كانت عارفة.
والكرتونة… ما كانتش هدية.
كانت رسالة.
فضلت أبص للصور
"يا هناء، خلصتي؟"
لميت الصور بسرعة، رجعتهم الظرف، وخبيته في جيب العباية.
طلعت له ووشي عادي… أو على الأقل حاولت.
قال بابتسامة:
"بصي، متنسيش نزود الكرتونة… عيب نروح لناس بإيد فاضية."
بصيت له ثواني… نفس الوش، نفس الصوت، نفس الراجل اللي كنت بعتبره سندي الوحيد.
وقلت بهدوء غريب:
"متقلقش… الكرتونة هتبقى تقيلة أوي."
هو ضحك ومفهمش.
لكن أنا كنت فهمت كل حاجة.
تاني يوم… قبل ما ننزل، قلت له:
"عصام، ممكن تشيل الكرتونة وتحطها في العربية؟ تقيلة عليا."
قال:
"أكيد."
شالها… وهو ما يعرفش إن الظرف الأسود رجع لمكانه تحت كيس الرز…
نفس المكان اللي حماته حطته فيه.
ركبنا العربية، وسكتنا طول الطريق.
أنا كنت سامعة دقات قلبي أعلى من صوت الموتور.
وصلنا بيت أهلي… نزل بالكرتونة، وطلعنا.
أمي استقبلتنا بفرحة، وسلمت على عصام بحرارة:
"نورت يا ابني."
حط الكرتونة قدامها وقال بفخر:
"دي حاجة بسيطة مننا ليكم."
ابتسمت… وقلت:
"افتحيها يا ماما."
قالت:
"إيه دا، ليه التعب؟"
قلت وأنا عيني على عصام:
"افتحي
بدأت تطلع الحاجة… سكر، زيت، سمنة…
وعصام قاعد مبتسم.
لحد ما وصلت لكيس الرز.
رفعته… ووقع الظرف الأسود.
قالت أمي:
"إيه دا؟"
أنا:
"مش عارفة… شكله متحطوط بالغلط."
عصام سكت.
ابتسامته اختفت نصها.
أمي فتحت الظرف…
والصور نزلت على السفرة.
ثانية واحدة…
والبيت اتقلب صمت تقيل.
أبويا بص للصور… وبص لعصام.
نظرة واحدة بس… كانت كفاية.
عصام وشه اصفر.
حاول يتكلم:
"أنا… أنا مش…"
أنا قاطعته بهدوء:
"الصور واضحة يا عصام."
بص لي… أول مرة أشوفه خايف مني.
قال:
"دي… دي واحدة معرفة…"
قلت:
"بتمسك إيدك؟ وبتقف معاك قدام شقة؟ وبيت تاني؟"
سكت.
أمي كانت بتبص لي بصدمة:
"يا بنتي… دا إيه؟"
بصيت لها… وابتسمت ابتسامة موجوعة:
"اسألي حماتي."
الهدوء اللي بعد الفضيحة كان مرعب.
عصام حاول يقرب، يشرح، يبرر…
لكن حاجة جوايا كانت اتكسرت خلاص.
وفي اللحظة دي فهمت كل حاجة:
حماتي ما كانتش بتعاقبني عشان رفضت أنضف شقة بنتها…
كانت بتقول لي:
"مكانك اتاخد."
والكرتونة؟
ما كانتش صدقة…
كانت إعلان.
بصيت لعصام قدام أهلي وقلت بهدوء:
"إنت حر في حياتك… لكن
وساعتها…
ولأول مرة في حياتي…
كنت أنا اللي ساكتة،
وسكوته هو… كان وراه العاصفة.