ربيت ابني
ربّيت ابني لوحدي لمدة 18 سنة… ومع ذلك، ولا حاجة جهزتني للحظة اللي شوفته فيها طالع على المسرح.
كنت عندي 35 سنة ليلة تخرّجه. القاعة كانت منوّرة بابتسامات فخر، وبوكيهات ورد، وموبايلات وكاميرات مستنية اللقطة “المثالية”.
الناس حواليّ كانوا مسنودين على بعض وبيحتفلوا سوا.
أنا كنت قاعدة لوحدي، باخد نفسي بالعافية، بحاول أكمّم الذكريات القديمة قبل ما تطلع على السطح.
حوالي عشرين سنة، حياتي ما كانتش بتتقاس بنجاحات ولا احتفالات.
كانت بتتقاس بساعات الشغل الإضافي، والفواتير اللي مش مدفوعة، وليالي طويلة بسأل نفسي فيها:
هو أنا كفاية؟
كنت الأم والأب في نفس الوقت:
الحنان والشدة، الطبطبة والحزم.
حاولت أكون له درع في عالم نادرًا ما بيرحم الأطفال اللي بيكبروا من غير استقرار.
كنت عندي 17 سنة لما جبت دييغو.
في الوقت اللي صحابي كانوا قلقانين من الكلية ومستقبلهم،
كنت أنا بتعلم إزاي أشيل طفل رضيع بإيدين بترتعش، لكن بإرادة عنيدة.
أبوه ما بعدش واحدة واحدة…
هو اختفى.
في يوم صحينا، لقيت دولابه فاضي، تليفونه مقفول، ووعوده راحت مع الريح.
من غير تفسير.
بس صمت.
ومن ساعتها بقينا إحنا الاتنين وبس.
دييغو كان هادي، بس
عاقل.
حساس.
طفل كأنه شايف حاجات غيره ما بياخدش باله منها.
المدرسين كانوا دايمًا يقولوا عليه:
“عاقل أكبر من سنه”.
مش مزعج.
مش دوشة.
كان ببساطة… عميق.
كأنه حاسس بالعالم أكتر من أغلب اللي حواليه.
لكن لما التخرج قرّب، حاجة فيه اتغيّرت.
بقى يرجع متأخر عن العادي.
ردوده قصيرة.
موبايله دايمًا مقلوب على وشه.
في ابتسامات صغيرة غريبة…
ونظرات بتهرب من ابتسامتي.
قلت لنفسي:
دي مساحة طبيعية للمراهقين.
الثقة مهمة.
ما ينفعش أخلّي خوفي يخنقه.
بس برضه…
السكوت اللي بينا بقى تقيل.
قبل الحفل بكام ليلة، وقف في المطبخ وأنا بغسل المواعين.
كان متلخبط، وبيشد في كمّ قميصه بالطريقة اللي كان بيعملها وهو صغير لما يبقى مش عارف يقول حاجة صعبة.
قال بهدوء:
“ماما…”
قلبي اتقبض فجأة.
وبعدين قالّي اللي كان شايله جواه.
اللي حكاهولي…
واللي طلبه مني…
كان حاجة عمري ما توقعتها.
يوم التخرج، لما شوفته ماشي ناحية المسرح، نفسي اتحبس في صدري.
وفي اللحظة اللي فهمت فيها،
كان فات الأوان أهرب من الهمس اللي مالي المكان.
إمتى بطلت أشوف ابني بجد؟
هو كان شايل إيه لوحده كل ده؟
وليه الضحك سرى في القاعة أول ما خطى أول خطوة على المسرح؟
اللي حصل بعد كده…
غيّر كل حاجة.أول ما دييغو حط رجله على أول درجة في السلم المؤدي للمسرح…
الضحك بدأ يتموّج في القاعة.
مش ضحك عالي قوي…
لكن همسات، وكتمة ضحكة، ونظرات استغراب.
ساعتها فهمت.
هو ماكانش ماشي طبيعي.
كان بيعرج.
رجله الشِمال كانت بتتسحب شوية وراه،
واضح إن في ألم…
واضح إن في مجهود كبير في كل خطوة.
إيدي اتقبضت على شنطتي وأنا قاعدة.
دماغي رجع بيا بسرعة لكلامه في المطبخ.
قبل الحفل بيومين، لما قال:
"ماما… لازم أقولك حاجة."
وقتها اعترفلي إنه بقاله شهور بيعاني من إصابة في رجله.
كان بيشتغل بعد المدرسة في توصيل الطلبات عشان يجيب فلوس للجامعة…
وفي مرة اتزحلق وهو بينزل السلم في العمارة اللي بيشتغل فيها.
الدكتور قاله:
لازم راحة وعلاج طبيعي.
وإلا هيفضل العرج ده معاه فترة طويلة… ويمكن للأبد.
لكن هو ما قالليش.
قال لي وهو باصص في الأرض:
"لو قلتلك، كنتِ هتسيبي الشغل الإضافي وتدفعي الفلوس للعلاج… وأنا مش عايزك تعملي كده عشاني. إحنا تعِبنا كفاية."
وقتها قلبي اتكسر.
قاللي كمان:
"أنا عايز أطلع المسرح لوحدي… حتى لو ضحكوا.
مش عايز يفتكروا إني ضعيف.
أنا عايزهم يشوفوا إني وصلت."
رجعت للحظة دي في القاعة…
والضحك
وأنا شايفة ابني بيكافح عشان يوصل للمايكروفون.
وأول ما وقف قدّام الناس،
القاعة سكتت.
قال بصوت واطي في الأول:
"قبل ما أستلم شهادتي… عايز أقول حاجة."
خد نفس طويل…
وبعدين بص ناحيتي.
وقال:
"أنا ما كنتش هقف هنا النهارده…
لو ماما ما كانتش قررت من 18 سنة إنها ما تسيبش نفسها تقع."
الناس بدأت تركز.
"هي اشتغلت شغلانتين…
ورجعت البيت تعبانة…
وبرضه كانت تراجع معايا الواجب."
ضحكة خفيفة طلعت من حد في القاعة…
لكنها ماتت بسرعة.
"لما كنت أحتاج حنان… كانت أمي.
ولما كنت أحتاج حد يشدني… كانت برضه أمي."
وبعدين قال الجملة اللي خرّجت دموعي كلها مرة واحدة:
"النهارده الناس بتضحك عشان شايفاني ماشي بعكاز.
بس محدش شايف إني واقف هنا على رجل واحدة…
والرجل التانية اسمها أمي."
القاعة كلها سكتت.
ثانية…
اتنين…
وبعدين التصفيق انفجر.
ناس قامت واقفة.
مدرسين بيعيطوا.
أمهات بصّوا عليّ وأنا مكسورة من البكا.
ولما نزل من على المسرح،
ما راحش على صحابه.
جالي.
حضني قدام الناس كلها وقال:
"أنا ما كنتش لوحدي يا ماما…
إنتي كنتي شايلة الحمل كله معايا، حتى وأنا ما قلتش."
ساعتها فهمت.
فهمت إني ما كنتش غايبة عن ابني.
بس كنت فاكرة
وطلع هو كمان بيحاول يحميني.
ومن يومها…
ما بقيناش “أم وابن” بس.
بقينا اتنين نجوا سوا.