حمايا مكنشي له معاش
حمايا مكنش ليه معاش ولا مليم يسنده. شيلته في عيني 12 سنة كاملة، وفي آخر لحظاته، أداني مخدة قديمة ومقطعة.. أول ما فتحتها، دموعي نزلت ومقدرتش أمسك نفسي.
طول السنين دي، كنت شايلة حمل تقيل والناس حواليا بتبص لي باستغراب ويقولوا لي: "ده مش واجبك".
كانوا بيقولوا: "إنتي مجرد مرات ابنه، لسه صغيرة وصحتك أولى بيها، ليه توجعي قلبك وتضيعي عمرك مع راجل عجوز مش من دمك؟"
بس "عم إبراهيم" مكنش بالنسبة لي حمل أبدًا. الراجل ده دفن مراته وهي لسه صبية، وطلع عينه عشان يربي 4 صبيان. مكنش حيلته غير إيده الشقيانة في الغيطان عشان يسترهم، وقضى عمره كله يكد ويتعب في أرض مكنتش ملكه، وخرج منها من غير معاش ولا قرش أبيض لليوم الأسود.
ولاده كل واحد فيهم انشغل بحياته.. اللي سافر، واللي يدوب بيزورنا في العيد "تأدية واجب"، واللي نسي إن ليه أب أصلاً.
فضلت أنا معاه.. في الليالي
في ليلة كنت فيها هلكانة من التعب، قولتله بهمس: "يا عم إبراهيم، أنا مجرد مرات ابنك، وساعات بحس إن الشيلة تقيلة أوي عليا."
مسك إيدي بضعف وابتسم وقال لي:
"عارف يا بنتي.. وعشان كده أنا شايلك جميلك ده فوق راسي. لولاكي إنتي، مكنتش هعرف أعيش مستور لحد دلوقتي."
الكلمتين دول فضلوا رانين في ودني وهونوا عليا كل اللي فات.الكاتبه نور محمد
ولحد ما جه اليوم اللي ميتنسيش..
كان بيطلع في الروح، نفسه بالعافية وإيده بتترعش.. مد إيده تحت المخدة بتاعته، وطلع "خدادية" قديمة ومهرية، قماشها دايب وخيوطها طالعة، وحطها في إيدي.
الكاتبه نور محمد
همس وهو بيودع الدنيا: "دي عشانك يا أمل.. عشان إنتي ست البنات وبنت أصول..
وبعد دقايق، فاضت روحه للي خلقها.
اللي لقيته جوه المخدة دي غير حياتي كلها..
فتحت المخدة وأنا قلبي بيترعش… كنت فاكرة هلاقي صورة قديمة، ولا حتة قماش، ولا يمكن شوية قطن مخزونين من أيام زمان.
لكن اللي وقع في إيدي خلاني أصرخ من العياط.
جوا المخدة كان فيه كيس قماش صغير متخيط بإيده، ومحطوط فيه: – رزمة فلوس ملفوفة في قماشة بيضا
– وورقة مطوية بعناية
إيدي كانت بتترعش وأنا بفتح الورقة… وخطّه كان مهزوز بس واضح:
“يا بنتي أمل
يمكن لما تقري الكلام ده أكون مشيت
أنا معنديش لا أرض ولا بيت ولا معاش
بس كنت بخبي القرش على القرش من اللي كنت باخده من الغيط
مش علشان ولادي…
علشانك إنتي
علشان انتي الوحيدة اللي شيلتيني من غير ما تكون مجبورة
ولا قلتِ آه
ولا اشتكيتي
ولا حسستيني إني تقيل
الفلوس دي مش كتير
بس دول عمري كله
وشقايا كله
وحطيهم في إيدك وانتي راضية
زي ما حطيتي
ربنا يعوضك عني خير
ويجعل اللي عملتيه معايا نور ليكي في قبرك
زي ما كنتي نور في أيامي الأخيرة
أبوكِ
إبراهيم”
وقعت على الأرض وأنا بصرخ…
مش علشان الفلوس…
علشان كلمة “أبوكِ”.
الفلوس طلعت حوالي خمسين ألف جنيه…
مبلغ صغير في نظر الدنيا
بس عندي كان كنز عمره كله
كنز متجمع من عرقه ووجعه وصمته.
عرفت ساعتها ليه كان دايمًا يقول: “أنا مش هموت قلقان عليكي… أنا مطمن.”
دفناه، وفضلت المخدة في حضني طول العزا
والناس فاكرة إني ماسكاها عشان ريحته
ومايعرفوش إني ماسكة وصيته.
النهارده كل ما الدنيا تقسى عليا
أفتكر راجل فقير
ماكانش عنده غير مخدة مقطوعة
بس كان عنده قلب ملك
وقدرة يرد الجميل
حتى وهو بيموت.
وساعتها فهمت حاجة واحدة بس:
مش كل اللي يسيب لنا فلوس
يبقى أغنى الناس
في ناس تسيب لنا
دعوة
واسم حلو
وذكرى تخلي القلب راضي
طول العمر.
رحمك الله يا عم إبراهيم
علمتني
أغلى من الدم
وإن اللي يشيل الكبير
ربنا يشيله فوق كتافه
يوم ما يقع.