كانت ليلي
كانت ليلى تقف خلف باب المطبخ، تمسك بصينية القهوة التي أعدتها بحب كما تفعل كل مساء. لكن خطواتها تسمرت حين سمعت صوت "فايزة" شقيقة زوجها، يرتفع بضحكة فاترة وهي تقول:
— "يا محمود يا حبيبي، ليلى ست طيبة وكل حاجة، بس خلاص.. موديل قديم. أنت محتاج واحدة تشرفك في الحفلات، واحدة زي ريهام زميلتك، شياكة ولباقة ولغات. ليلى آخرها الطبيخ وتربية العيال."
حبست ليلى أنفاسها، وانتظرت أن ينطق محمود، أن يدافع عن العشرة، عن السنين التي قضتها في خدمة والدته المريضة، عن وقوفها بجانبه حين كان لا يملك ثمن إيجار هذه الشقة. لكن صوته جاء بارداً كالجليد:
— "عارف يا فايزة.. ليلى بقت زي قطعة أثاث قديمة في البيت، وجودها مريح بس ملوش بريق. أنا رتبت كل حاجة، ريهام وافقت، بس محتاج طريقة أخرج بيها ليلى من البيت من غير شوشرة.. مش عايز وجع دماغ وعياط."
ردت فايزة بخبث:
— "بسيطة.. قولها إن الشقة محتاجة توضيبات ضرورية عشان الرطوبة، وانقلها
سقطت ملعقة صغيرة من الصينية على الأرض، صوت معدني رنّ في أرجاء الصالة الساكنة. ارتبكت ليلى، لكنها لم تنهار. تراجعت للخلف بخطوات ثابتة، دخلت غرفتها الصغيرة التي تسميها "مخزن الكراكيب" وهي في الحقيقة مرسمها السري.
نظرت إلى لوحة كانت قد بدأت في رسمها لمحمود بمناسبة عيد ميلاده.. أمسكت بفرشاة مغموسة باللون الأسود، وبضربة واحدة عنيفة، طمست ملامح وجهه في اللوحة.
لم تدمع عيناها.. بل لمعت بنار غريبة. رفعت هاتفها واتصلت برقم لم تطلبه منذ سنوات، رقم المحامي "استاذ جلال" صديق والدها الراحل:
جاءه صوت الأستاذ جلال هادئًا كعادته: — "أهلاً يا ليلى… كنت حاسس إن اليوم ده هييجي." حكت له كل شيء، كلمة كلمة، دون بكاء. فقط حقائق. صمت قليلًا ثم قال: — "إوعى تمشي من بيتك بإيدك الفاضية. البيت ده شقتك الشرعية،
في اليوم التالي، دخل محمود البيت متصنعًا القلق: — "ليلى… الشقة محتاجة تصليح كبير، رطوبة ومواسير. الأفضل تروحي تقعدي عند ماما شوية." نظرت له بهدوء لم يعهده منها: — "حاضر يا محمود… اللي تشوفه."
ابتسم في داخله، وظن أن الخطة نجحت.
انتقلت ليلى فعلًا إلى شقة والدته القديمة، لكن لم تأخذ معها إلا حقيبة صغيرة… وملفًا أزرق.
بعد أسبوعين، وبينما كان محمود يعيش نشوة علاقته الجديدة مع "ريهام"، جاءه اتصال من المحكمة. دعوى نفقة ومتعة ومؤخر صداق… وطلب تمكين من شقة الزوجية.
جنّ جنونه. دخل على أخته فايزة يصرخ: — "إنتي قلتيلي بسيطة! دي رفعت عليّا قضية!" قالت بارتباك: — "يمكن بتخوفك بس…"
لكن ليلى لم تكن تخوفه فقط.
في الجلسة الأولى، وقف الأستاذ جلال: — "موكلتي خرجت من منزل الزوجية بناءً على طلب زوجها، بحجة الترميم، بينما كان يخطط للزواج من أخرى.
وسُمِع تسجيل صوت محمود وهو يقول: "عايز أطلعها من البيت من غير دوشة."
تغير لون وجهه. أما ليلى فجلست ثابتة، مرفوعة الرأس.
حكمت المحكمة لها: ✔️ بالتمكين من الشقة
✔️ نفقة مجزية
✔️ مؤخرها كامل
✔️ ومتعة طلاق محترمة
خرج محمود مكسورًا، لم يبق له بيت ولا سمعة ولا "ريهام" التي هربت فور أول مشكلة.
أما ليلى… فعادت إلى شقتها، لكن ليس لتكون "قطعة أثاث قديمة".
حوّلت غرفة "مخزن الكراكيب" إلى مرسم حقيقي. بدأت تبيع لوحاتها أونلاين. أقامت معرضًا صغيرًا باسم: "امرأة خرجت من الظل."
وفي يوم الافتتاح، وقفت أمام إحدى لوحاتها…
لوحة لرجل بلا ملامح، وخلفه امرأة تفتح نافذة على نور قوي.
سألتها إحدى الزائرات: — "اللوحة دي عن مين؟" ابتسمت ليلى وقالت: — "عن واحدة افتكرت إن قيمتها في إنها تسكت… واكتشفت إن قوتها في إنها تمشي."
رفعت رأسها للسماء وهمست: — "الحمد لله الذي أنقذني قبل أن أنكسر."
وانتهت الحكاية…