بعد ماجوزي مات
بعد ما جوزي مات، حماتي اتهمتني إني السبب في اللي حصل وطردتني في عز البرد، وابني عنده تلات شهور بين إيديا. كانت فاكرة إنها أخدت مني كل حاجة — حتى العربية بتاعة البيبي. لكنها ما كانتش تعرف إن جوزي كان مرتّب حاجة في هدوء قبل ما يمشي.
المطر كان بيخبط في الأسفلت المتكسر، ولينا وورد، عندها عشرين سنة، كانت بتترنح وسط السيل وهي حاضنة ابنها الرضيع كاليب على صدرها. الميه غرّقت الهودي الخفيف بتاعها، والبرد دخل لعظمها. كانت بترتعش من السقعة… ومن الصدمة.
عدّى تسع أيام بس على الحادثة اللي خطفت إيثان، الشخص الوحيد اللي كان دايمًا واقف بينها وبين قسوة الدنيا. بموته، الدرع ده اختفى… وأمه قلبت عليها.
مارجريت وورد واجهتها الصبح، الحزن متحوّل لغضب أعمى.
“إنتِ السبب في موت ابني!” قالتها من بين سنانها. “لو ما كنتيش بعتيه، كان زمانه عايش.”
“كان رايح يجيب طلبات بس…” لينا قالت وهي بتعيّط. “العاصفة جت فجأة.”
“اطلعي برّه.”
قبل ما لينا تلحق تاخد عربية البيبي أو شنطة
“دي تفضل هنا. أي حاجة أنا اشتريتها تبقى بتاعتي.”
“بس كاليب محتاج—”
“كان لازم تفكري قبل ما تدمّري عيلتي.”
الباب اتقفل بعنف، ولسه لينا واقفة لوحدها تحت المطر الغزير، وطفلها ملفوف في بطانية خفيفة. الميه بتدخل جزمها وهي ماشية تايهة في الشارع.
ساعتين كاملين وهي بتلف، دراعها واجعها وهي حاضنة كاليب عشان تدفيه. كل ملجأ كلمته كان مليان — محدش يقدر يستقبل رضيع. موبايلها ظهر فيه تحذير أخير: 5% بطارية.
في الآخر، قعدت تحت مظلة صغيرة قدام محل أدوات مقفول، والرعد بيشق السما. كاليب أنَّ أنين خفيف، نفسه قصير ومتقطع.
“بحاول…” همست وهي بتبوس شعره المبلول. “أوعدك إني بحاول.”
البرق لمع، ونوّر عربية سودا وقفت جنب الرصيف. الشباك نزل، وصوت مألوف نطق اسمها.
“لينا؟”
جرانت دوجلاس — أقرب صاحب لإيثان — نزل بالمظلة. اللون راح من وشه أول ما شافها. هي ما قدرتش تتكلم. دموعها ردّت بدلها.
من غير تردد، دخلها العربية الدافية. ولما
“فين العربية؟ هدومه فين؟” سأل بهدوء مكبوت. “إيه اللي حصل؟”
“طردتني…” لينا همست. “قالت إني ما استحقش حاجة.”
جرانت أخد نفس طويل عشان يهدى.
“لينا… إيثان ما سابكيش من غير حاجة.” صوته كان واطي لكن حازم. “في حاجة لازم تعرفيها.”
قلبها دق بسرعة. “إيه هي؟”
بصلها بثبات، وقلق واضح في عينيه.
“قبل ما يمشي، إيثان رتّب كل حاجة ليكي إنتِ وكاليب… ترتيبات أمه نفسها ما تعرفش عنها حاجة.”
جرانت ساق العربية وسط المطر، ولينا مش قادرة تبطل تبص على كاليب عشان تتأكد إنه لسه بيتنفس طبيعي. الدفا رجع له لونه شوية شوية.
“إيثان عمل إيه؟” سألت بصوت مبحوح.
جرانت وقف قدام بيت صغير هادي، نور دافي طالع من الشباك. “قبل الحادثة بأسبوعين… إيثان جهلي وقال لي:
(لو جرالي حاجة، متخلّيش أمي تكسّر لينا وكاليب).”
فتح درج العربية وطلع ظرف بني. “ده عقد البيت ده باسمك… وده حساب في البنك باسم كاليب. وأنا الوصي عليه لحد ما يكبر.”
عيون لينا وسعت، إيديها بترتعش
“وأكتر من كده.”
طلع مفتاح تاني.
“الشركة اللي كان شغال فيها حوّلوا له تعويض كبير بعد الحادثة… وهو كان عامل وصية. نص الفلوس ليكي، والنص التاني لابنه.”
دخلت البيت… صغير، بسيط، بس دافي. فيه سرير أطفال جاهز، وشنطة حفاضات، وهدوم أطفال متعلقة في الدولاب.
لينا غطت بقها بإيديها وانفجرت في العياط. “هو كان حاسس…”
جرانت هز راسه. “كان عارف أمه ممكن تعمل إيه… وعشان كده خبّى كل حاجة عنها.”
مرت شهور.
لينا اشتغلت من البيت، وربّت كاليب في أمان. ضحكته بقت تملى المكان اللي كان مليان خوف.
وفي يوم… الباب خبط.
فتحت، لقت مارجريت واقفة، وشها شاحب وصوتها واطي لأول مرة: “أنا… سمعت إن عندك بيت… وفلوس… دا كله كان بتاع ابني.”
لينا بصّت لها بثبات. “دا كان ترتيب ابنك… عشان يحميني أنا وابنه منك.”
مارجريت حاولت تتكلم، بس الكلمات خانتها.
لينا قفلت الباب بهدوء، ورجعت لكاليب اللي كان بيزحف على الأرض. شالته وحضنته وقالت: “باباك ما سابناش… باباك أنقذنا.
الكاميرا تبعد عن البيت الصغير… صوت المطر برا،
وصوت ضحكة طفل جوه.
النهاية.