كنت اعتقد ان غربتي

لمحة نيوز

كنت أعتقد أن غربتي وتكسير عظامي في الخارج سيجعل أمي تعيش كالملكات... لكن حين فتحت باب ذلك الكوخ الخشبي المتهالك، ووجدتها ترتجف من البرد والجوع، أدركت أن تحويلاتي البنكية لم تكن تذهب إليها. الحقيقة التي اكتشفتها في تلك اللحظة لم تسرق مالي فقط، بل كادت أن تقتلني قهرًا.
لم أكن أخطط للعودة بهذه الطريقة.
بدون حقائب هدايا.
بدون مكالمة هاتفية تسبقني.
شوقي إليها غلبني، فقررت أن أقطع تذكرة وأعود فجأة.
أربع سنوات من الغربة، أكلت من عمري وشبابي.
اسمي طارق. أبلغ من العمر ثمانية وعشرين عامًا.
أعمل في قطاع المقاولات في دبي.
تحت شمس تحرق الحديد، كنت أعمل ورديتين متتاليتين.
كل قطرة عرق كانت تسقط مني، كنت أراها طوبة تبني قصرًا لأمي في مصر.
أرقام حساباتي البنكية كانت تشهد على تعبي.
كنت أرسل كل ما أجنيه تقريبًا.
أبقي لنفسي الفتات، وأحول الباقي.
خمسون ألف جنيه شهريًا.
أحياناً سبعون ألفًا في مواسم العمل الإضافي.
كنت أرسلها إلى أخي الأكبر "سيد".
كان هو رجل البيت بعد وفاة أبي، وهو من ائتمنته على أمي وعلى شقى عمري.
سيد الذي كان يقسم لي في كل مكالمة أن أمي تعيش في شقة فاخرة اشتراها بمالي في حي راقٍ.
كان يرسل لي صوراً لأثاث جديد.
ومقاطع صوتية قصيرة لأمي تدعو لي بالستر والرزق.
في خيالي، كانت أمي تنام على سرير مريح.
تتعالج في أفضل المستشفيات.
ثلاجتها مليئة بما لذ وطاب.
تذهب للحج والعمرة.
كنت أؤمن بذلك من كل قلبي.
نزلت من الطائرة واستقليت

سيارة أجرة.
لم أذهب إلى العنوان الجديد الذي أعطاني إياه أخي.
أردت أن أبدأ من حارتنا القديمة، لأرى جيران طفولتي قبل أن أذهب لمفاجأتها في شقتها الجديدة.
في لحظة ما في الطريق، حسبت المبلغ الإجمالي.
أكثر من مليوني جنيه خلال أربع سنوات.
كنت أقول لنفسي: فداها، تستحق عينيها.
بعد أن ربتنا وحدها في الفقر، حان وقت مكافأتها.
لكن حين وصلت إلى شارعنا القديم، شعرت بانقباضة في صدري.
توجهت نحو مكان بيتنا القديم، فقط لألقي نظرة للذكرى.
لكن خطواتي تسمرت.
في نهاية الزقاق... لم يكن هناك بيت.
كان هناك هيكل من خشب قديم، مسقوف ببقايا صاج متهالك.
باب مائل لا يغلق.
مكان لا يصلح حتى لإيواء الحيوانات.
اقتربت ببطء.
شعرت ببرودة تسري في عظامي رغم حرارة الجو.
ومن شق في الباب الخشبي المكسور... رأيتها.
أمي.
جالسة على حصير مهترئ.
تلتف ببطانية ممزقة لا تقيها برد الشتاء.
وجهها شاحب كالموتى.
عظامها بارزة من تحت ملابسها البالية.
كانت تمسك بكسرة خبز يابسة، تغمسها في كوب ماء لتستطيع مضغها.
في تلك اللحظة رفض عقلي أن يستوعب الصورة.
تجمد الدم في عروقي.
ملايين الجنيهات التي أرسلتها... أين ذهبت؟
دقات قلبي كانت كطبول الحرب.
هذا ليس فقرًا... هذا تعذيب.
شيء مرعب كان يحدث في غيابي.
دفعت الباب بقدمي. انهار الباب الخشبي بسهولة.
رفعت أمي رأسها بصعوبة مفزوعة.
عيناها اللتان كانتا تلمعان بالحياة، أصبحتا غائمتين يملؤهما الرعب.
صرخت ودموعي تنهمر:
"ياما! أنا طارق!"
توقعت
أن تبكي من الفرحة... أن تفتح ذراعيها لضمي.
لكن ما حدث جعلني أتمنى لو أن الأرض انشقت وابتلعتني.
تراجعت أمي للخلف بخوف شديد، التصقت بالجدار الخشبي، رفعت يديها النحيفتين لتحمي وجهها، وصرخت بصوت مرتعش باكي:
"أبوس إيدك ما تضربنيش تاني يا سيد... أنا والله ما أكلت حاجة النهاردة ومكاني أهو مش هخرج منه... بس والنبي إديني التليفون أسجل لطارق رسالة أقوله إني كويسة وعايشة مرتاحة، عشان ما يقطعش عنك الفلوس!"
هنا... توقف قلبي عن النبض.
#تجمدت في مكاني.
صوتها كان بيقول "سيد"، لكن عينيها كانت شايفاني أنا.
خايفة… مرتعشة… مستنية ضربة جاية.
قربت منها على مهلي، رميت نفسي على الأرض قدامها، مسكت إيديها العضم اللي شبه الأعواد.
— "ياما… أنا طارق… ابنك… مش سيد."
بصّت لي ثواني كأن عقلها بيحاول يفتكر ملامحي من تحت سنين القهر.
وفجأة شهقة خرجت من صدرها، شهقة حد بيغرق وطلع فوق المية فجأة.
— "طارق؟!… ابني؟! إنت حي؟!"
وقعت في حضني زي طفل صغير، وفضلت تعيط… تعيط عياط ما لهوش صوت… عياط اللي اتخزن جواه سنين.
كنت حاسس إن صدري بيتشق.
بطني بتغلي نار.
إيدي بترتعش من الغضب.
قلت لها وأنا بمسح دموعها: — "مين عمل فيكِ كده؟ وليه كنتي ساكته؟"
سكتت شوية… وبعدين قالت بصوت مكسور: — "أخوك… كان بياخد الفلوس كلها… قالّي لو اتكلمت ولا قلتلك الحقيقة هيحبسني في دار مسنين… وكان يضربني ويقولّي سجلي رسالة إنك عايشة كويس… عشان تبعت فلوس أكتر."
قعدت على الأرض جنبها.
رأسي
كانت بتلف.
كل تحويل بنكي بعته… كان عصاية نزلت على ضهرها.
طلعت الموبايل وكلمت سيد.
— "إنت فين؟" — "في الشقة الجديدة… ليه؟ وصلت مصر؟"
ضحكت ضحكة تخوف: — "استناني… جاي لك حالًا."
دخلت عليه الشقة اللي كان باعت لي صورها.
أثاث فاخر.
تكييفات.
تلفزيون كبير.
ريحة أكل فخم.
قلت له بهدوء مرعب: — "مبروك… قصرك عجبني."
ضحك: — "كله من خيرك يا حبيبي."
قربت منه فجأة ومسكت في قميصه: — "فين أمي؟"
اتلخبط: — "عند الجيران… بتزورهم."
طلعت فيديو صورتُه لأمي في الكوخ، وهي بتاكل العيش الناشف.
وشه اصفر. لسانه اتشل.
قلت: — "أربع سنين… وأنا ببعت لك فلوس عشان أمي تعيش ملكة… وإنت مخليها شحاتة؟"
وقع على الأرض: — "كنت مضطر… اتجوزت… عندي التزامات… كنت ناوي أرجعها بعدين."
صرخت: — "بعد ما تموت؟!"
بلغت الشرطة.
القضية اتفتحت.
التحويلات كلها كانت دليل.
والجيران شهدوا.
سيد اتحبس.
واتحكم عليه بردّ الفلوس اللي صرفها وسجن بتهمة تعذيب والدته والنصب.
رجعت بأمي من الكوخ.
دخلتها مستشفى خاص.
عالجتها.
لبستها لبس جديد.
نمتها على سرير نظيف لأول مرة من سنين.
وفي أول ليلة، وهي نايمة جمبي في الأوضة، مسكت إيدي وقالت: — "كنت فاكرة إني خلاص ماليش غير القبر… بس ربنا رجعك لي."
 وبكيت زي طفل: — "حقك عليا يا أمي… أنا كنت فاكر إني بحميك… وأنا كنت غايب عنك."
بعدها بشهور…
فتحت لها بيت صغير نضيف.
قعدت جنبها.
اشتغلت في مصر.
وسبت الغربة.
فلوسي كانت بتتبني في بشر، مش في طوب.

والدرس اللي اتعلمته: مش كل اللي يقولك “أمك بخير” يكون صادق…
ولا كل تحويل بنكي يكون رحمة…
الرحمة الحقيقية إنك تشوف بعينك.

تم نسخ الرابط