جوزي خلاني اسافر

لمحة نيوز

جوزي هو اللي اقترح فكرة السفر.
قالها وهو قاعد قدامي على الترابيزة الصغيرة في المطبخ:
“سنة ولا اتنين، ونرتّب حياتنا. بدل ما نفضل مش لاقيين آخر الشهر.”
بصيت لولادي وهما نايمين، وقلبي شدّني ليهم، بس عقلي قال لي إن الغربة يمكن تكون الرحمة الوحيدة اللي فاضلة.
وافقت…
مش عشان نفسي،
عشانهم.
سافرت وأنا شايلة بيت كامل في قلبي.
أول يوم في الغربة حسيت إني تايهة،
ريحة الأكل غريبة،
والناس غريبة،
والليل أطول من اللازم.
اشتغلت شغلانتين.
أوفر في الأكل.
أحسب الحساب قبل ما أشتري أي حاجة.
وأقول لنفسي:
“كل ده علشان ولادي.”
كنت أبعت مرتبي كل شهر،
وأسيب لنفسي الفتات.
وفي التليفون صوته دايمًا مجهد:
– “الدنيا غالية… والبيت محتاج.


وأرد من غير تفكير:
– “ولا يهمك… المهم الأولاد.”
عدت شهور.
وبعدين سنين.
وأنا هناك جسمي بيشتغل،
وقلبي هنا عايش مع صورهم على الموبايل.
كنت لما أكلم ولادي، أحس إن صوتي جاي لهم من بلد بعيدة قوي،
مش مسافة…
وجع.
في مرة سألته:
– “الفلوس مكفية؟”
قال:
– “على قدّها… في حاجات بتصرف لوحدها.”
الجملة دي فضلت تلف في دماغي:
حاجات بتصرف لوحدها…
حاجات إيه؟
ومين؟
وليه؟
رجعت في إجازة مفاجئة.
دخلت البيت وأنا متوقعة أحس إني رجعت لحضني.
بس حسّيت إني ضيفة.
الحيطة اتغير لونها،
والصالون اتبدل،
وفي تفاصيل مش شبهّي.
قلت لنفسي:
“يمكن ذوقه اتغير.”
سألته بهدوء:
– “عملت كل ده من المرتب؟”
قال:
– “آه… حاولت أظبط الدنيا.”
كان كلامه طبيعي…
بس
إحساسي مش طبيعي.
قعدت الليل كله أبص للسقف.
أفتكر تعبي،
وشغلي،
وغربتي.
وأقول:
“أنا بعمل كل ده علشان إيه؟ علشان بيت؟ ولا علشان صورة بيت؟”
رجعت الغربة تاني،
بس المرة دي
كنت شايلة شك مش عارفة أسميه.
طلباته زادت.
مصاريفه كترت.
وأنا قلبي بيقل.
في مرة قلت له:
– “أنا تعبت… مش قادرة أكمل كده.”
قال:
– “اصبري شوية… كله علشان مستقبلنا.”
مستقبل مين؟
هو ولا أنا؟
ولا ولادنا اللي بيكبروا من غيري؟
بعد سنة،
رجعت نهائي.
مش مهزومة…
لكن فاضية من جوايا.
لقيته شخص غير اللي سافرّت وسايباه.
هادئ زيادة عن اللزوم،
وسكوته أطول من كلامه.
سألته السؤال اللي كان عايش جوايا من زمان:
– “الفلوس اللي كنت ببعتها… كانت بتروح فين؟”
اتلخبط،
قال:
“في مصاريف… في ظروف.”
ما كذبش.
بس ما قالش كل حاجة.
وقتها فهمت إن في وجع
مالوش اسم واضح.
ولا عنوان صريح.
ولا حكاية كاملة تتقال.
قلت له:
– “أنا مش عايزة أعيش نص زوجة…
ولا نص أم.”
قعدنا نتكلم كتير.
من غير صوت عالي.
من غير اتهامات مباشرة.
اتفَقنا نفترق.
مش لأن في خيانة،
لكن لأن في غياب طويل
كسر حاجات جوهنا من غير ما ناخد بالنا.
خدت ولادي في حضني،
ورجعت أبدأ من جديد.
اشتغلت هنا.
قريب منهم.
أشوفهم قبل ما يناموا.
وأسمع ضحكتهم مش من السماعة.
اتعلمت إن:
مش كل سفر نجاة.
ومش كل تضحية أمان.
وفي حكايات
تنتهي
من غير ما نعرف بالضبط
إيه اللي كسرها.
يمكن كان في سر…
ويمكن كان في ضعف…
ويمكن كان في زمن طويل
وسع المسافة بين
قلبين.
نهاية القصة؟
مش إن الحقيقة ظهرت،
لكن إن البطلة رجعت نفسها،
واختارت تعيش
من غير غربة
ولا انتظار
ولا حسابات بتوجع.

تم نسخ الرابط