قعدنا في الصالون

لمحة نيوز

قعدنا في الصالون، والمأذون فارش الدفتر وحاطط القلم في النص كأنه سيف. "سماح" مراتي كانت قاعدة، وشها خالي من أي تعبير، لا عياط ولا نهنهة، وده اللي كان حارق دمي.. كنت عايز أشوف كسرتها، عايزها تتذلل عشان خاطر "اللقمة" وسقف البيت اللي لاماها.
​أمي كانت قاعدة جنبي، بتعدل في غوايشها الدهب وبتبص لسماح من فوق لتحت وقالت بصوت مسموع:
​"اخلص يا "سيد الرجالة"، ارمي لها ورقتها.. الواحدة من دول تفتكر إنها لما تتجوز وتخلف خلاص ملكت الراجل، متعرفش إن "الضفر" مبيطلعش من اللحم، وإن الأم هي السند والكلمة الأولى والأخيرة ليها."
​حماتي حاولت تتدخل، وصوتها كان واطي ومنكسر:
"يا حاجة، استهدي بالله، بنتي شالتكم في عينيها سنين، والبيت ده هي اللي بنته طوبة طوبة مع ابنك.. بلاش تخربي العش

عشان كلمة اتقالت في ساعة شيطان."
​أمي ردت برد يقطع الخلف:
"عش إيه يا اختي؟ ابني بفلوسه يبني عشر تعشاش، ويجيب بدل الواحدة عشرة، بس تكون "بنت أصول" وتعرف إن الحما "تاج الراس"، مش واحدة جاية تتشرط وتطالب باستقلالها في شقة لوحدها!"
​أنا بقى، عشان أثبت لأمي إني "دكر" وما بتهزش، بصيت للمأذون وقلت بقوة:
"اكتب يا مولانا.. طلقة أولى بائنة، واللي تخرج من طوعي ومن تحت جناح أمي، ملهاش عيش وملح في بيتي."
​المأذون بص لسماح وقال لها: "وقعي يا بنتي."
​سماح قامت وقفت، ومسكت القلم، ووقعت بمنتهى البرود، وبعدين بصت لأمي وقالت بضحكة سخرية هزت البيت:
"ألف مبروك يا طنط.. نصرتي ابنك وخرّبتي بيته، ارتحتي كدة؟"
​أمي قالت بفخر: "طبعاً ارتحت، ابني رجعلي وبقى تحت طوعي."
سماح سابت القلم على
الترابيزة بهدوء، ولمّت شنطتها الصغيرة اللي كانت محضّراها من بدري، ومشيت ناحية الباب من غير ما تبص وراها.
ولا دمعة… ولا صرخة… ولا حتى تنهيدة.
وأنا واقف، حاسس إني انتصرت… كده كنت فاكر.
عدّى شهر…
ولا اتنين…
ولا حتى عشرة أيام.
البيت بقى ضلمة.
أمي قعدت مكانها ملكة متوّجة، تتحكم في كل نفس بدخده:
الأكل مش عاجبها، الشاي مش مظبوط، نومي متأخر، خروجي كتير.
وفي يوم، دخلت من الشغل لقيت ظرف أبيض على الترابيزة.
فتحتُه…
اتجمد الدم في عروقي.
إنذار رسمي من المحكمة:
"سماح بنت عبدالعظيم… تطالب بنفقة متعة وعدة ومؤخر صداق،
وتطالب بنصيبها في الشقة باعتبارها ساهمت في بنائها."
قلبي وقع في رجلي.
دورت ورا الورق…
لقيت عقود إيصالات، تحويلات، شهادات جيران.
سماح كانت ذكية…
كانت بتكتب كل جنيه
دفعته باسمها أو بشاهد.
روحت لأمي أزعق: – «إنتِ قولتيلي ملهاش حاجة!»
قالت وهي بتكشّ في الصواني: – «هي هتعمل إيه يعني؟ ست غلبانة!»
ضحكت ضحكة مُرة: – «لا يا أمي… دي مش غلبانة… دي كانت ساكتة بس.»
في المحكمة، شفتها بعد شهور لأول مرة.
كانت لابسة أسود، واقفة مستقيمة، عينها في عيني من غير خوف.
القاضي حكم: ✔ نفقة
✔ مؤخر
✔ تعويض
✔ وإثبات حقها في نص الشقة
خرجتُ من القاعة مكسور.
مش علشان الفلوس…
علشان فهمت متأخر إن اللي كنت فاكره ضعف… كان كرامة صامتة.
رجعت البيت، لقيت أمي قاعدة لوحدها: – «ها؟ عملت إيه؟»
قلت بصوت مبحوح: – «خربتي بيتي فعلاً… بس مش زي ما كنتِ فاكرة… خربتيه عليّا أنا.»
أما سماح؟
افتحت مشروع صغير من فلوسها،
وسكنت في شقة أوسع من اللي مشيت منها،
وكل ما حد يسألها
عن جوازها تقول:
"كنت متجوزة راجل…
بس طلقني عشان يفضل ابن."

تم نسخ الرابط