جوزي قرر
جوزي السكران في حفلة الشركة قرر يعمل حركة مستفزة قدّام الكل… مسك الميكروفون وهو بيضحك ضحكة تقيلة وقال:
"مين فيكم يقدر يستحملها ليلة كاملة؟ يسمع صوتها وشكاويها من غير ما يزهق؟"
الناس ضحكت، ضحك سريع ومحرج، ضحك اللي مش فاهم هو بيضحك على إيه بالظبط.
وأنا… ما كنتش وصلت أصلاً.
دخلت القاعة بعدها بدقايق.
أول ما فتحت الباب، حسيت كأني دخلت مسرح فجأة النور اتسلّط عليّ لوحدي.
الضحك مات.
الصوت اختفى.
والعيون كلها اتشدّت ناحيتي في لحظة واحدة.
جوزي كان واقف في نص القاعة، الميكروفون في إيده، ووشه اتحوّل من ضحك لتوتر.
عرق خفيف بدأ يظهر على جبينه، وشفايفه نشفت.
واضح إنه فجأة استوعب إن اللي قاله وهو فاكر نفسه ظريف… اتحوّل لإهانة علنية قدّام كل الناس.
واحد من زمايله حاول يرقّع الجو وقال بنبرة هزار:
"يا عم
بس صوته طلع مكسور، لا هو ضحك ولا حد رد عليه.
جوزي قرّب من الميكروفون تاني وقال بسرعة:
"قصدي يعني… هزار… انتوا فاهمين؟"
بس الكلمة خرجت ضعيفة، تايهة في الهوا، كأنها أول مرة ما يكونش ليها وزن.
أنا كنت واقفة ساكتة.
لا بابتسم، ولا بزعل، ولا حتى برمش بعيني.
الصمت اللي حواليا كان تقيل، أثقل من أي شتيمة ممكن تتقال.
في اللحظة دي حسيت إن في نار كانت مولعة جوايا… بس مش نار صريخ ولا انهيار.
كانت نار باردة.
نار قرار.
رفعت راسي وبصيت في وشوش الناس واحد واحد.
قلت بصوت هادي لكنه مسموع لكل القاعة:
"واضح إن في ناس فاكرة إن التقليل من غيره اسمه خفة دم… وإن الإهانة لما تتقال في قالب هزار تبقى مقبولة."
حد ابتلع ريقه.
حد بص في الأرض.
حد تاني شدّ جاكته وكأنه مش عايز يكون موجود.
كملت:
"بس
بصيت لجوزي مباشرة.
عينه كانت ثابتة عليّ، بس فيها خوف… مش غضب.
خوف إنه لأول مرة مش عارف يسيطر على المشهد.
قلت وأنا آخد شنطتي من على الكرسي:
"وقتي مش مادة للسخرية، وكرامتي مش موضوع يتقال في ميكروفون.
واللي فاكر إن له حق يحوّلني لنكتة قدّام الناس… محتاج يراجع نفسه قبل ما يراجعني."
القاعة كانت ساكتة تمامًا.
حتى الموسيقى اللي كانت شغالة واطية اتقفلت.
واحد من زمايله حاول يتحرك ناحيتي وقال:
"استني بس، مفيش داعي تكبّري الموضوع…"
بصيت له وقلت بهدوء:
"اللي يشوف الإهانة حاجة صغيرة… غالبًا عمره ما اتحط مكانها."
رجعت بصيت لجوزي تاني وقلت:
"أنا مش ماشية عشان أعمل مشكلة…
أنا ماشية عشان أعلّمك إن في فرق بين الهزار،
مشيت ناحية الباب.
الكعب بتاع الجزمة كان صوته واضح في الصمت،
كل خطوة كأنها عدّ تنازلي لكرامته قدّامهم.
ما حدش حاول يضحك.
ما حدش حاول يصفّق.
الكل كان واقف في مشهد محرج، كأنهم فجأة بقوا شهود مش مشاركين.
وهو…
فضل واقف مكانه.
المرة الوحيدة اللي شفت فيها وشه مش لاقي تعبير مناسب.
لا ضحك ينفع، ولا اعتذار يطلع في مكانه.
طلعت من القاعة وأنا حسّة إن نفسي أوسع.
مش لأنّي انتصرت…
لكن لأنّي ما سكتش.
وقتها فهمت حاجة واحدة:
أقسى رد مش الصريخ،
وأقسى رد مش الفضيحة،
أقسى رد إنك توقف قدّام الناس وتخليهم يشوفوا الحقيقة من غير ما ترفع صوتك.
ومن اليوم ده،
كل مرة كان يفكر يهزر نفس الهزار،
كان يكفي أبصله بس…
يفتكر القاعة،
يفتكر الصمت،
يفتكر إنه وقف قدّام الناس عاجز…
ويفهم كويس
مين
ومين اللي خرج مكشوف قدّام نفسه قبل أي حد.