عمرك تخيلت

لمحة نيوز

عمرك تخيلت إن تمن عمرك وتضحياتك يتلخص في ورقة صغيرة ملزوقة على باب التلاجة؟ "مطلوب منك ٧٠٠٠ جنيه، نصيبك في أكل وشرب وإيجار الشهر ده.. معاكي لآخر الأسبوع وإلا هضطر أغير كالون الباب". 
15 سنة ببنيه طوبة طوبة، وفي النهاية بيطردني من حياته بفاتورة حساب، عشان يجبرني أتنازل عن كل حاجة وأخرج من المولد بلا حمص، ويفضي الشقة لـ "العروسة الجديدة" اللي بيبني مستقبلها على أنقاضي!
القصة مابتدأتش بالورقة دي، بدأت قبلها بأسبوعين..
15 سنة. 15 سنة وأنا الممرضة، والمربية، والمحاسبة، والسند. 15 سنة بعت فيهم دهبي وحتة الأرض اللي ورثتها عن أبويا عشان أسس له شركته اللي كبرت وبقت بتجيب دهب. طفيت نور مستقبلي عشان نوره هو ينور ويبقى "الباشمهندس طارق".
وفي يوم، كنت واقفة بكوي قميصه اللي هيحضر بيه أهم اجتماع في شركته.. دخل عليا وهو بيشرب قهوته ببرود، وقالها كأنه بيطلب مني كوباية ماية.
"بقولك إيه يا ندى، النظام القديم بتاع إن الراجل بيشيل الليلة لوحده ده انتهى. إحنا من بكرة كل حاجة بينا فيفتي فيفتي.. النص بالنص. أنا مش بنك مفتوح، ولازم تشاركي في مصاريف قعدتك في البيت."
المكوة وقعت من إيدي حرقت السجادة. بصيت له وقولتله وأنا بضحك بوجع، فاكراه بيهزر: "نص إيه؟ أنت بتهزر يا طارق؟

أنا بقالي ١٥ سنة بشتغل عندك وعند ولادك ببلاش، ده أنا بعت ورثي عشان أوقفك على رجلك!"
بصلّي من فوق لتحت بابتسامة مستفزة، ومسح على بدلته الغالية وقال: "ده كان قرارك ومحدش ضربك على إيدك.. وبعدين أنتي قاعدة في البيت مابتشتغليش ومابتنتجيش حاجة، لازم تحسي بقيمة القرش وتنزلي تشتغلي وتدفعي حق إقامتك هنا."
الجملة نزلت زي مية نار على قلبي. "حق إقامتك".
البيت اللي دهنته بإيدي. اللي نمت فيه على الأرض أيام ما كنا بنفرشه حتة حتة. العيال اللي كبروا على سهري وتعب أعصابي. كل ده فجأة اتمسح، وبقيت مجرد "نزيلة تقيلة" عايز يدفّعها تمن الأكسجين اللي بتتنفسه.
حسيت ببرودة بتسري في عروقي. طارق مكنش بيمر بأزمة مالية، شركته بتكسب أكتر من أي وقت فات. طارق كان بيخطط لحاجة تانية خالص. الغشاوة اللي على عيني وقعت، وبدأت أركز في التفاصيل اللي كنت بتعمد أتجاهلها بحسن نية. باسورد الموبايل اللي اتغير. مكالمات البلكونة بصوت واطي. اهتمامه المبالغ فيه بشكله وجيم ونظام غذائي فجأة.
اتأكدت من إحساسي بعدها بكام يوم. نسي يخرج من الـ "واتساب ويب" على اللابتوب في البيت ونزل شغله. أنا عمري ما فتشت وراه، بس عيني لمحت محادثة مفتوحة مع محاميه.
الكلام كان بيرن في ودني زي جرس إنذار:
"أنا بدأت أضغط عليها
في المصاريف زي ما اتفقنا وأخنقها.. شهر بالكتير ومش هتستحمل، هتطلب هي الطلاق وتتنازل عن كل حاجة وتسيبلنا الشقة عشان تهرب من الديون والمصاريف اللي هحملها عليها، وساعتها أقدر أتجوز 'رانيا' فيها براحتي من غير ما أدفع جنيه مؤخر ولا نفقة."
قريت الرسالة ومابكيتش. الدموع كانت نشفت خلاص. قفلت اللابتوب، وبصيت لنفسي في المراية.
هو فاكر إنه بيلعب شطرنج مع واحدة ضعيفة مكسورة الجناح، معندهاش دخل ولا ضهر. فاكر إنه لما يزنقني في الكورنر هرفع الراية البيضا وأمشي أعيط.. بس هو نسي حاجة مهمة أوي. نسي إن الست اللي قدرت تبنيه من الصفر وتعمل منه بني آدم.. تقدر برضه تاخد حقها تالت ومتلت، وتهد المعبد على دماغه وهو جواه.
مسكت تليفوني، وكلمت محامي كان زميلي أيام الجامعة، وقولتله: "أنا جاهزة.. إحنا مش هنلعب دفاع تاني، إحنا هنبدأ الهجوم."......
اتصلت بمحامي الجامعة، وكان صوته ثابت: "تمام يا ندى، خطة واضحة. هنعمل كل خطوة قانونية لازم عشان حقك يرجعلك كله… وحتى أكتر."
الليلة دي ما نمتش. قلبي كان بيغلي، مش  بس، لأ، من الغدر اللي كان متغطي عليه بعشر سنين ضحك وحب مزيف. فتحت ملف الشركة والملفات القديمة، وكل خطوة كان بياخدها طارق في السنين اللي فاتت ضدّي، كنت هاعرف أستفيد منها دلوقتي.

النهارده، قدمت أوراق الطلاق، مش في صمت. قدمتها بحضور محاميّاي، وبابتسامة ثلجية: "اللي اتسابلك ما كانش هيرجع، والطريق دلوقتي نضيف وواضح… وأنا واخدة كل اللي يخصّي."
طارق استغرب. حاول يبرر، حاول يهدد، حتى حاول يستميل العيال ويستدرّ عاطفتهم… بس كل ده وقع على ودني زي مطر على صخر. هو فاكر إنه يقدر يلعب فيا لعبة، وأنا دلوقتي اللعبة كانت في إيدي.
الأيام اللي بعدها كانت صعبة، مليانة جلسات قانونية ونقاشات محتدمة، لكن كل ورقة وكل شهادة كانت لصالحّي. الشقة؟ رجعتلي بالكامل. الشركة؟ كل أسهمي كانت محفوظة. الفلوس اللي ضاعت؟ استعدتها بالقانون. وأهم حاجة… كرامتي، اللي حاول يسحقها بعشر سنين من الاستغلال، رجعتلي أقوى من الأول.
يوم ما خلصت المعركة، قفلت الباب على الماضي. لا دموع، لا ندم. فقط حرية. حرية أعيش حياتي زي ما أنا عايزة، بدون حد يتحكم في وجودي أو يحسب عليّ "إقامة" في بيت كنت أنا اللي بنيته.
وآخر حاجة، قبل ما أخرج من الشقة، وقفت قدام الباب، ابتسمت لنفسي، وقلت: "اتعلم يا طارق… الست اللي بتعطيك كل حاجة، لو قررت تاخد حقها، مش هتوقف عند أي حد. المعبد اللي بنيته؟ ممكن يتدمر… وأنا اللي ماسكة المطرقة."
ندى مش بس خرجت من القيد، ندى خلصت فصل كامل من حياتها… وفاتحة صفحة جديدة
كلها قوة، استقلال، وكرامة.

تم نسخ الرابط