جوزي بيشتغل
بسم الله والصلاه والسلام على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه اجمعين
وهم الغربه بقلم الكاتبه نرمين عادل همام
أنا اسمي هالة. عشر سنين جواز من سامح، كنت دايمًا بقول إن صبري ده هو "الاستثمار" اللي هجني ثمنه في الآخر. عشر سنين من عمري فاتوا وأنا مابين أربع حيطان، شايلة شيلة بيت كامل لوحدي؛ أنا الأب وأنا الأم، وأنا السباك والكهربائي، وأنا اللي بذاكر وأنا اللي بودي تمارين.
سامح كان بالنسبة لي "البطل" اللي مضحّي بحياته وشبابه في نار الغربة عشان يبني لنا جنة هنا في مصر. كان بينزل شهر واحد في السنة، شهر كنت بفرش له فيه الأرض رمل، وبنسى فيه كل تعب السنة بمجرد ما يدخل من الباب العيال. كان دايمًا يمسك إيدي ويقولي بنبرة كلها شجن: الكاتبه نرمين عادل همام
– "استحملي يا هالة.. الغربة دي بتاكل في عمري، والوحدة هناك بتقتل، بس كله يهون عشان أشوفكم في أحسن حال.وابني مستقبل للعيال"
كنت بصدقه.. بصدقه لدرجة إني كنت بحس بالذنب لو اشتريت لنفسي طقم جديد في العيد، كنت أقول
كل يوم بالليل، كنت بستنى مكالمة الفيديو بفارغ الصبر. كان يفتح الكاميرا، وأشوفه قاعد في أوضة ضيقة جداً، دهان حيطانها مقشر، وسرير حديد قديم بيطلع صوت مع كل حركة، ومروحة سقف بتزيّق كأنها بتنازع. كان يمسح العرق من على جبينه ويقولي بصوت مجهد: – "شايفة العيشة يا هالة؟ أهو ده اللي أنا فيه طول اليوم.. شغل 12 ساعة ومرواح على الأوضة دي، مابشوفش حد ولا بكلم حد غيركم."الكاتبه نرمين عادل همام
كنت بقعد أعيط.. أعيط عليه مش منه. كنت أدعي له في كل صلاة إن ربنا يهون عليه ويفتحها في وشه. كنت ببعت له صور العيال وهما بيكبروا، وصور الأكل اللي بحبه وأقوله "نفسي تكون معانا وتدوقه"، وهو يرد: "لقمتي هنا ناشفة يا هالة، بس الحمد لله."
بنيت له في خيالي تمثال من الوفاء والتضحية. كنت حارمة نفسي من الخروج مع صحباتي، ومن زيارة أهلي بانتظام عشان أوفر مواصلات
لحد ما جه اليوم اللي غير مسار حياتي كلها.. يوم عادي جداً،وهو هنا في الاجازة
فتحت الاستديو في الفون عنده لاقيت صور بنت صغيرة وسامح وواقفه جنبهم ست بتضحك وحاضنه سامح. الكاتبه نرمين عادل همام
سامح كان واقف قدامي، ريحة الشامبو والسكينة اللي كانت ماليّة وشه خلتني أحس إني كنت عايشة مع "ممثّل" عالمي لمدة عشر سنين. ابتسامته اللي كانت بتهوّن عليا الأيام، بقت دلوقتي زي السم في عيني.
بصيت للموبايل اللي لسه في إيدي، الصورة كانت لسه منورة الشاشة.. البنت اللي عندها 5 سنين، والست اللي لابسة دهب يغطي عين الشمس وشكلها من عند اهله بالبلد ، والبيت اللي شبه القصور. فين "المرتبة القطن" اللي كان بيقول إنه بينام عليها وظهره بيوجعه؟ فين "العيشة اللي تقصر العمر" اللي كان بيحكي عنها وهو بيعيط في التليفون؟
لو من عند اهله من البلد يعنى اهله عارفين يعنى خدمتى لهم ماقدروهش ماهو
سامح قرب مني بجهل تمام باللي بيحصل: – "يا هالة.. ردي عليا، مالك؟ العيال فيهم حاجة؟ ولا حد زعلك من أهلي تحت؟"
قفلت الموبايل بسرعة وحطيته على الكومودينو وحاولت أجمع شتات نفسي. النفس كان بيطلع من صدري بصعوبة، وكأن فيه إيد بتخنقني. قلت له بصوت ميت، بحاول أخبّي الرعشة اللي فيه: – "مفيش.. الضغط واطي شوية يا سامح، يمكن من وقفة المطبخ طول النهار."الكاتبه نرمين عادل همام
صدقني ببرود غريب وقال: – "طيب يا حبيبتي، ارتاحي شوية، أنا هنزل أقعد مع الجماعة تحت ساعة كدة، وأطلع ألاقيكي بقيتي كويسة عشان نلحق نتعشى."
نزل وسابني.. سابني مع حطام عشر سنين. أول ما قفل الباب، رجلي ما شالتنيش، قعدت على الأرض والدموع نزلت زي الشلال بس من غير صوت.. كنت خايفة العيال يسمعوني.
فتحت الموبايل تاني.. كنت بقرأ التاريخ اللي على الصور. الصور بقالها سنين، يعني البنت دي جت للدنيا وإحنا هنا بنعد الجنيه عشان نشتري