كنت واقفه
نادية فضلت واقفة لحظة… ساكتة تمامًا.
الكل افتكر إن سكوتها ضعف… أو صدمة هتعدي.
لكن اللي محدش خد باله منه إن عيونها كانت بتتغير… الوجع اللي فيها بدأ يتحول لحاجة تانية… حاجة أبرد.
انحنت بهدوء ولمّت بقايا الأطباق المكسورة من على الأرض.
محدش ساعدها… ولا حتى بص لها.
كل الاهتمام كان حوالين هدير اللي قاعدة على الكنبة، وإيديها على بطنها والكل بيدلعها.
محمود قال ببرود:
"يلا يا نادية… خلصي الفطار بسرعة، هدير لازم تاكل."
وقتها نادية وقفت… ومسحت إيديها في المريلة.
رفعت عينيها لمحمود لأول مرة من ساعة ما دخل.
وقالت بصوت هادي جدًا… هدوء يخوّف:
"حاضر… هعمل الفطار."
عفاف ضحكت وقالت:
"
نادية دخلت المطبخ… وقعدت دقايق لوحدها.
كانت بتبص حواليها… على الحيطان اللي قضت عمرها بينها… على البوتاجاز اللي وقفت قدامه سنين… على السجاد اللي كانت بتشيله وهي حامل.
افتكرت أول طفل سقطته.
افتكرت وجع بطنها وهي بتنضف السلم.
وافتكرت جملة حماتها:
"استحملي… البيت أولى."
دمعة نزلت… لكنها مسحتها بسرعة.
بعد شوية خرجت… حطت الفطار على السفرة.
الكل بدأ ياكل ويضحك… كأنها مش موجودة.
وفجأة…
نادية فكّت المريلة من وسطها… وحطتها على الترابيزة.
الكل بص لها.
محمود اتضايق وقال:
"إيه ده؟ خلصي شغلك الأول."
نادية بصت له بثبات وقالت:
"شغلي خلص."
الحماة
"يعني إيه خلص؟"
نادية ردت بهدوء:
"يعني من النهارده… نادية اللي كانت بتخدم في البيت ده… خلاص مش هتخدم حد."
الكل سكت.
محمود قال بعصبية:
"إنتي اتجننتي؟ رايحة فين؟"
نادية بصت حوالين الصالة… وبصت لحماتها وعفاف.
وقالت:
"البيت ده خدتوا منه عمري… وصحتي… وطفلين كانوا ممكن يبقوا في حضني دلوقتي."
وبصت لمحمود:
"أنا كنت زوجة… مش خدامة."
عفاف قالت بسخرية:
"هتروحي فين يعني؟ ده بيت جوزك!"
نادية ابتسمت ابتسامة صغيرة لأول مرة وقالت:
"البيت اللي مفيهوش كرامة… مايبقاش بيت."
الحماة قالت بحدة:
"يعني هتسيبي بيت جوزك وتمشي؟"
نادية ردت بهدوء:
"أيوه… همشي."
وساعتها دخلت أوضتها
ولا حد فيهم حاول يمنعها… كانوا متأكدين إنها هترجع زي كل مرة.
وقفت نادية عند باب البيت… وبصت آخر نظرة للمكان اللي ضيعت فيه سنين عمرها.
وقالت بهدوء:
"ربنا شاهد على كل حاجة."
وخرجت.
مرت شهور…
والبيت اللي كان مليان صريخ وأوامر… بدأ يحس بغيابها.
الطبخ ما بقاش زي الأول.
البيت بقى فوضى.
وكل واحد بدأ يحس قد إيه نادية كانت شايلة الحمل لوحدها.
وفي يوم…
محمود لمح نادية صدفة في الشارع.
كانت ماشية بثقة… ووشها هادي.
واضح إنها بدأت شغل جديد ووقفت على رجليها.
وقف يبصلها لحظة…
لكنها عدت من قدامه… كأنه شخص غريب.
وقتها بس فهم محمود إن الإنسان
ولما يفوق… يكون الوقت فات.