انا من عيلة فقيرة

لمحة نيوز

انا من عيله فقيره وحماتى عارفه نقطه ضعفى اللى بتعايرنى بيها وخصوصا قدام الناس 
اتجوزت وكنت فاكره انى هعيش مرتاحه بعد تعب وشقى مع جوزى وامه 
جوزى ولد وحيد مالوش اخوات وحماتى عايشه معانا مكنش عندى مانع 
بعد الجواز حماتى اتغيرت بتتعمد تتباهى قدامى دايما بالحاجة اللى عندها تعمل أكل عمرى ما كلته 
وخصوصاً لو فى ضيوف تفضل تقولهم معلش اصل جبناها من بيئه واطيه ماتعرفش الاكل ده وبنعلمها لسه 
انا للاسف فعلاً مش بعرف الاكل ده ولا يتاكل ازاى لاننا كنا بنعمل اللحمه مرتين بس فى الشهر 
في يوم، كانت حماتي عازمة جاراتها وقرايبها، والسفرة كانت مليانة أصناف غريبة عليا، منها "الجمبري الجامبو" و"الاستاكوزا". كنت واقفة بساعد بقلب أبيض، لكنها فجأة بصتلي بضحكة صفراء قدامهم وقالت:
"يا حبيبتي يا أماني، امسكي الشوكة دي وافتحي الاستاكوزا كدة.. معلش يا جماعة اعذروها، أصلها جاية من بيئة غلابة أخرها الفول والطعمية، اللحمة عندهم كانت بالجدول، فأكيد متعرفش الأكل ده بيتاكل إزاي.. إحنا اللي بنعلمها الأتيكيت دلوقتي!"
​الكل ضحك بسخرية، وأنا حسيت بالأرض بتلف بيا. بصيت لجوزي اللي كان قاعد، كنت مستنية منه نظرة جبر خاطر أو كلمة توقفها عند حدها، لكنه للاسف وطى راسه في طبقه وكمل أكل ولا كأنه سمع حاجة.. سكوته كان بيدبحني أكتر من كلامها.
​طلعت المطبخ وحبست دموعي بالعافية، وسمعتها بتقولهم جوه بصوت عالي: "ده أنا حتى جبتلها طقم لبس غالي، وقفت قدام المراية تتصور بيه وتعيط، مكنتش مصدقة إن فيه قماش كدة.. أصل الجوع بينحت في القلب يا جماعة

ما اكتفتش بالمعايرة

قدام الناس، لا.. دي حبت تستعبدني حرفياً. بعد ما الضيوف مشيوا، نادتني بصوت آمر:
"أماني! تعالي يا حبيبتي لمي السفرة دي واغسلي المواعين، وبعدين ادخلي أوضة البنات   اجمعي غسيلهم واغسليه واكويه.. أصلهم بنات عيلة ومتعودين يرتاحوا، وانتي ما شاء الله عليكي 'صحتك حلوه' وشغل البيت ده لعبتك من يوم ما كنتي في بيت أبوكي."
بصيت لها بذهول: "بس يا حماتي أنا من الصبح واقفة على رجلي بجهز العزومة، والبنات كبار ويقدروا يشيلوا هدومهم على الأقل!"
ردت ببرود وهي بتعدل قعدتها: "بناتي خط أحمر، دول هوانم.. وبعدين يا أماني ده أنتي حتى تلاقيكي فرحانة بالشقة الواسعة والمنظفات الغالية اللي بتستخدميها، مش أحسن من قعدة الحارة والتراب؟ يلا يا شاطرة، وريني شطارة 'بنات الأرياف' في الخدمة." قصص وروايات أمانى سيد 
الأيام بدأت تمر وأنا بقيت "خادمة" بلقب زوجة. كنت بغسل لبس الكل، وبنضف تحت رجل الكل، وحتى بناتها كانوا بيرموا هدومهم  قدامي بمنتهى القذارة ويقولولي: "اغسلي دي كويس يا أماني، أصل على ايدك اصل الماركات دى مابتتحطش فى غساله 
وجوزي؟ جوزي كان "طيف" في البيت، لما أشكيله يبص لي ببرود ويقولي: "استحملي يا أماني، أمي ست كبيرة وبناتها ضيوف، وبعدين ما هي اللي مأكلاكي وشرباكي ومنضفاكي.. ردي الجميل بقى!"
كنت بقف قدام المراية بالليل، ابص لإيدي اللي باظت من كتر المنظفات ووشي اللي دبل، وأفتكر جملتها "الجوع بينحت في القلب".. وقولت لنفسي:
"فعلاً يا حماتي، الجوع بينحت في القلب.. بس الجوع للكرامة هو اللي بيخلي القلب ده يتحول لحجر.. 
مرت الأيام، وكل يوم كان أصعب
من اللي قبله…
أماني بقت بتصحى قبل الكل بساعتين، تنظف البيت، وتغسل المواعين، وتجهز الفطار… وبعدها تقف في المطبخ طول اليوم كأنها خدامة مش زوجة.
لكن أكتر حاجة كانت بتكسرها… إن جوزها شايف وساكت.
في يوم، كانت واقفة بتغسل هدوم بنات حماتها في البانيو، وإيديها اتحرقت من الكلور، وفجأة سمعتهم قاعدين في الصالة بيضحكوا.
واحدة من بنات حماتها قالت بصوت عالي:
"والله يا ماما أماني دي لقطة… خدامة ببلاش! لا مرتب ولا كلام."
ضحكوا كلهم… حتى حماتها قالت:
"أهو إحنا اللي سترناها وجوزناها، تعمل إيه يعني غير كده؟"
الكلام دخل قلب أماني زي السكينة.
وقتها بس… قامت من مكانها، وقفت قدام المراية في الحمام، بصت لنفسها طويل… وشها شاحب، وإيديها مشققة، وعينيها مليانة دموع.
وقالت لنفسها بهدوء:
"أنا ما كنتش فقيرة في الكرامة… أنا كنت فقيرة بس."
وفي اللحظة دي… أماني خدت قرار.
طلعت من الحمام، ومشيت على الصالة قدامهم كلهم.
الضحك وقف أول ما شافوها.
بصت لحماتها وقالت بهدوء:
"أنا فعلاً جاية من بيت فقير… بس عمر ما حد في بيتي قل أدبه عليا أو أهانني."
حماتها ضحكت بسخرية:
"يا سلام! ده احنا لسه بنعلمك الكلام كمان؟"
لكن أماني كملت كلامها بثبات:
"أنا جيت هنا زوجة… مش خدامة."
جوزها قال بعصبية:
"إيه الأسلوب ده يا أماني؟"
بصت له بعين مليانة خيبة أمل وقالت:
"الأسلوب اللي المفروض كنت تقوله أنت من زمان."
سكت… لأنه فعلاً ما كانش عنده رد.
أماني دخلت الأوضة، ولمت هدومها في شنطة صغيرة.
حماتها قامت وقالت باستهزاء:
"رايحة فين؟ هترجعي للحارة والتراب؟"
أماني ابتسمت لأول مرة من شهور وقالت:
"آه… يمكن
يكون في الحارة فقر… بس فيها كرامة."
وخرجت.
رجعت بيت أبوها، والناس كلها كانت مستغربة إنها سابت بيت "الغنى".
لكن أماني ما انهارتش… بالعكس.
اشتغلت في مطبخ صغير مع واحدة من قرايبها، كانت بتتعلم تطبخ كل يوم حاجة جديدة.
الغريبة بقى…
إن الأكلات اللي كانوا بيتباهوا بيها قدامها… هي نفسها بقت تتعلمها.
جمبري…
استاكوزا…
أكلات غريبة عمرها ما شافتها.
بعد سنة تقريبًا…
أماني فتحت مطبخ أكل بيتي صغير.
الناس حبت أكلها جدًا… لأن فيه حاجة أهم من الفلوس… كان فيه تعبها وقلبها.
المطبخ كبر… وبقى مطعم صغير.
وفي يوم من الأيام…
دخلت ست كبيرة المطعم مع بنتين.
أماني كانت واقفة عند الكاشير، أول ما رفعت عينها… اتجمدت.
كانت حماتها… وبناتها.
واضح إنهم ما كانوش يعرفوا إن المكان بتاعها.
قعدوا وطلبوا أكل.
وبعد ما خلصوا، حماتها قالت بصوت عالي:
"بصراحة الأكل هنا تحفة… واضح إن اللي عاملاه ست شاطرة."
ساعتها أماني قربت منهم بهدوء.
أول ما حماتها شافتها… وشها اتقلب.
أماني ابتسمت وقالت:
"نورتوا المكان."
بناتها بصوا لبعض بصدمة.
حماتها قالت بتوتر:
"ده… ده مطعمك؟"
أماني ردت بهدوء:
"آه… بنت البيئة الواطية اللي كانت آخرها الفول والطعمية… بقت صاحبة المكان."
سكتوا… وما حدش قدر يرد.
قبل ما يمشوا، حماتها قالت بصوت واطي:
"أنا يمكن كنت قاسية عليكي…"
أماني قاطعتها بلطف:
"لا… حضرتك علمتيني درس مهم."
سألتها باستغراب:
"درس إيه؟"
أماني قالت بثقة:
"إن اللي بيتكسف من فقره… عمره ما هيغتني بكرامته."
وبعد ما خرجوا…
وقفت أماني في مطبخها تبص حوالين المكان اللي بنته بتعبها.
وافتكرت جملة حماتها زمان:
"الجوع
بينحت في القلب."
ابتسمت وقالت لنفسها:
"فعلاً…
بس الجوع للكرامة… هو اللي بيبني حياة جديدة."
تمت.

تم نسخ الرابط