خامس يوم رمضان

لمحة نيوز

خامس يوم رمضان… والبيت هادي، لكن قلبي ما كانش هادي خالص.
الكلام اللي سمعته من حماتي عن العزومات خلاني أفضل صاحيه طول الليل.
كنت حاسة إن الموضوع أكبر من مجرد أكل أو كرم.
تاني يوم… من غير ما أقول حاجة، بدأت أراقب.
حماتي فعلاً جت تفطر… وجابت معاها نفس الناس تقريبًا.
لكن الغريب إنهم ما كانواش بيهتموا بالأكل قد ما كانوا مركزين في حاجة تانية.
الشقة.
كل واحد فيهم يسأل سؤال غريب:
– الشقة دي ملك ولا إيجار؟
– مساحتها كام؟
– باسم مين؟
كنت برد بابتسامة عادية… لكن جوايا علامات استفهام كتير.
بعد الفطار، دخلت المطبخ أعمل شاي.
وسبت الموبايل بتاع حماتي على الترابيزة في الصالة.
وفجأة… الموبايل رن.
الاسم اللي ظهر على الشاشة خلاني أتجمد مكاني:
"سمسار عادل"
حماتي ردت بسرعة وقالت بصوت واطي، لكنها ما كانتش عارفة إني واقفة ورا الباب.
قالت:
– أيوه يا عادل… تعال شوف الشقة بنفسك.
– العيلة كلها شافتها… وهي مناسبة جدًا.
الراجل قال حاجة ما سمعتهاش كويس…
لكن رد حماتي كان واضح:
– ما تقلقش… أنا هقنع ابني يبيعها.
– أصل مراته ضعيفة… ومش هتقدر تعترض.
حسيت وقتها إن الدم بيغلي في عروقي.
يبيع الشقة؟!
دي الشقة اللي جوزي شقا عمره فيها…
وإحنا لسه متجوزين من سنة!
فضلت ساكتة… لكن قررت أفهم أكتر.
تالت يوم… العزومة كانت أكبر.
ناس جديدة… قرايب ما شفتهمش قبل كده.
لكن كلهم نفس الأسئلة.
الشقة كام متر؟


المنطقة سعرها كام؟
فيها رخصة ولا لأ؟
وقتها فهمت الخطة.
حماتي كانت بتجيب ناس يشوفوا الشقة… كأنها بتعرضها للبيع!
لكن المفاجأة الحقيقية حصلت في اليوم اللي بعده.
كنت داخلة الصالة فجأة…
فلقيت راجل غريب واقف مع حماتي.
حماتي قالت له وهي بتشاور حوالين البيت:
– الصالة واسعة أهو… والأوضة دي تنفع مكتب.
وقفت في مكاني وقلت ببرود:
– حضرتك مين؟
الراجل اتلخبط شوية… وقال:
– أنا… أنا جاي أشوف الشقة.
حماتي اتدخلت بسرعة:
– ده صاحب حد من قرايبنا… بيزورنا بس.
لكن الراجل قال جملة فضحت كل حاجة:
– بس حضرتك قولتيلي إن الشقة للبيع!
الصالة سكتت فجأة.
جوزي كان واقف… ووشه اتحول للأحمر.
بص لأمه وقال:
– للبيع؟!
حماتي حاولت تضحك وتعدي الموضوع:
– يا ابني أنا كنت بهزر بس…
لكن جوزي قال بصوت عالي لأول مرة في حياته:
– إنتي بتعرضي بيتي للبيع من ورايا؟!
الراجل حس بالإحراج ومشي بسرعة.
وساعتها… حماتي انفجرت:
– أيوه!
– عايزة تبيع الشقة!
– إحنا أولى بالفلوس!
– أختك محتاجة جهاز… وابن خالتك عايز يفتح مشروع!
جوزي رد عليها بصوت هادي… لكنه كان حاسم:
– ومراتي وأنا نعيش فين؟
قالت ببرود:
– تعيشوا معايا في بيت العيلة.
وقتها جوزي بص لي… وبص لها… وقال الجملة اللي غيرت كل حاجة:
– لا يا أمي… البيت ده مش للبيع.
حماتي صرخت:
– يعني هتختار مراتك عليا؟!
جوزي قال بهدوء:
– أنا باختار بيتي.
ساعتها… حماتي لبست عبايتها
وهي بتتمتم بكلام غاضب، وخرجت من الشقة.
ومن يومها…
العزومات وقفت.
وحماتي ما رجعتش تفطر عندنا تاني طول رمضان.
لكن الغريب…
إن بعد أسبوع بس، اتصلت بيا هي بنفسها.
وصوتها كان هادي بشكل غريب وقالت:
– أنا جاية أزوركم بكرة… لوحدي.
بس الطريقة اللي قالتها بيها خلتني أحس إن في حاجة تانية لسه مستخبية…
وحاجة أكبر من موضوع الشقة نفسه.قضيت الليلة كلها بفكر في المكالمة.
ليه حماتي فجأة هادية؟
وليه جاية لوحدها بعد ما كانت بتجيب نص العيلة معاها كل يوم؟
تاني يوم… من بدري بدأت أجهز الفطار، لكن المرة دي كنت متوترة.
المغرب قرب… والباب خبط.
فتحت… لقيت حماتي واقفة فعلًا لوحدها.
وشها ماكانش فيه نفس التكبر اللي كانت داخلة بيه قبل كده.
دخلت وسكتت شوية… وبعدين قالت:
– عاملة إيه يا بنتي؟
الكلمة استغربتها…
لأنها أول مرة تناديني كده.
جوزي كان قاعد في الصالة، ولما شافها قام وقال:
– اتفضلي يا أمي.
قعدنا نفطر… والجو كان غريب.
ولا حد فينا بيتكلم.
بعد الفطار… حماتي حطت المعلقة ونزلت عينيها في الأرض.
وقالت بصوت واطي:
– أنا جاية أعتذر.
أنا وجوزي بصينا لبعض بدهشة.
كملت كلامها وقالت:
– أنا غلطت لما حاولت أبيع الشقة… وغلطت لما دخلت الناس بيتكم بالطريقة دي.
سكتت لحظة… وبعدين قالت الحقيقة اللي ما كناش نتوقعها.
– أنا كنت مديونة.
جوزي اتفاجئ وقال:
– مديونة لمين؟
قالت وهي بتتنهد:
– لواحد تاجر… استلفت
منه فلوس عشان أساعد أختك لما جوزها خسر شغله.
وبعدين قالت:
– والراجل فضل يضغط عليا… وقال لو ما رجعتش الفلوس هيعمل مشاكل كبيرة.
أنا حسيت إن الصورة بدأت تتوضح.
قالت:
– ففكرت إننا نبيع الشقة… ونسدد الدين.
جوزي سألها بصدمة:
– يعني كنتي هتخلينا نبيع بيتنا عشان دينك؟
حماتي دموعها نزلت وقالت:
– كنت فاكرة إنكم هتعيشوا معايا في بيت العيلة… وماكنتش متخيلة إن الموضوع هيوصل لكده.
سكتت الصالة لحظة طويلة.
وبعدين جوزي قال بهدوء:
– يا أمي… كان ممكن تقولي لنا من الأول.
قالت بحزن:
– كنت مكسوفة.
وقتها أنا قلت أول كلمة ليا من ساعة ما الحوار بدأ:
– والدين كام؟
حماتي قالت رقم…
كان كبير… لكنه مش مستحيل.
جوزي فضل ساكت شوية… وبعدين قال:
– خلاص… هنحل الموضوع سوا.
حماتي رفعت عينيها بصدمة:
– يعني مش زعلان مني؟
قال:
– زعلان… بس انتي أمي.
ومن يومها… الموضوع اتقفل.
جوزي دفع جزء من الفلوس… وباع عربيته القديمة وسدد الباقي.
حماتي بطلت تدخل حد البيت من غير إذن.
وبطلت تتدخل في حياتنا.
لكن المفاجأة اللي ما كنتش متوقعاها حصلت ليلة العيد.
حماتي جت ومعاها صندوق صغير.
فتحته قدامنا… وكان جواه دهب قديم.
وقالت:
– ده كان بتاعي من زمان… بعته وسددت جزء من الفلوس اللي دفعتوها.
وبعدين بصتلي وقالت:
– أنا ظلمتك كتير يا بنتي… بس رمضان علّمني درس كبير.
وساعتها لأول مرة… حسيت إن العلاقة بينا ممكن تبدأ من
جديد.
أما الشقة…
ففضلت زي ما هي.
مش مجرد بيت.
لكن المكان اللي عرفنا فيه إن
البيت الحقيقي مش في الجدران…
البيت الحقيقي في الناس اللي بتحافظ عليه.

تم نسخ الرابط