في سن الستين
في سن 60، اتجوزت مرة تانية من حبي الأول: في ليلة فرحنا، وأنا بساعد مراتي تقلع فستانها، رجعت فجأة خطوة لورا مصدوم وحسّيت بوخزة حزن لما شفت…
عمري 60 سنة.
في السن ده، أغلب الناس بتفكر في المعاش، وتقعد مع الأحفاد، وتروح الجامع، أو تتمشى بهدوء في الجنينة… مش تلبس فستان فرح وتتجوز من جديد، وبالتأكيد مش تبقى متوتر من ليلة الفرح.
لكن أنا عملت كده فعلًا.
الراجل اللي اتجوزته — أحمد — كان حبي الأول وأنا عندي عشرين سنة. وقعنا في حب بعض بجد وقتها، ووعدنا بعض إننا في يوم من الأيام هنتجوز. لكن الحياة كان ليها رأي تاني.
وقتها عيلتي كانت فقيرة جدًا. أبويا كان مريض مرض شديد، وأحمد اضطر يسافر بعيد يشتغل في محافظة تانية. بين المسافة والمسؤوليات وشوية سوء تفاهم، في الآخر انقطع التواصل بينا.
بعد فترة، عيلتي جوزتني لراجل تاني. كان راجل طيب ومحترم… لكنه ماكنش الراجل اللي قلبي اختاره.
لمدة تلاتين سنة قمت بدوري كزوجة. خلفت أولاد، وربيتهم، واهتميت بالبيت، وحافظت على العيلة. جوزي توفى من سبع سنين بعد مرض. ومن وقتها وأنا عايشة لوحدي في بيتنا القديم. أولادي كل واحد بقى عنده حياته وعيلته في محافظة تانية.
كنت فاكرة إن حكايتي خلصت خلاص.
لحد ما من سنتين، في تجمع لزمايل المدرسة القدام،
السن غيره طبعًا. شعره بقى أبيض تقريبًا كله، وظهره بقى منحني شوية. لكن عينيه… كانت لسه زي ما هي: دافية وصادقة، وفيها نفس الطمأنينة اللي كانت دايمًا بتخليني أحس بالأمان.
مراته كانت ماتت من أكتر من عشر سنين. وكان عايش لوحده في بيت كبير في الإسكندرية لأن ابنه شغال في مدينة تانية. بدأنا نتكلم وكأننا عمرنا ما افترقنا.
القعدة على القهوة اللي كانت في الأول ساعة… بقت تمتد لحد العصر كله. وبعدها بقت في رسايل بالليل، ومكالمات يسألني فيها لو كنت اتعشيت، لو أنا كويسة، ولو محتاجة حاجة. من غير ما نحس، كنا بنملى الفراغ اللي اتنين عاشوا سنين طويلة وهم شايلينه جواهم.
في يوم قالّي وهو مبتسم بخجل:
— يمكن… نقدر نعيش سوا. كده محدش فينا يحس بالوحدة.
الليلة دي ماعرفتش أنام. بنتي اعترضت فورًا:
— يا ماما، إنتِ عندك ستين سنة! ليه تتجوزي دلوقتي؟ الناس هتتكلم.
ابني كان أهدى شوية، لكنه برضه ماوافقش:
— يا ماما، حياتك هادية كده… ليه تعقديها؟
ومن ناحية أحمد، الموضوع ماكانش سهل برضه. ابنه كان قلقان بخصوص الفلوس والميراث… وكلام الناس. لكن أنا وأحمد كنا فاهمين حاجة محدش غيرنا كان فاهمها.
في السن ده إحنا ماكنّاش بندور على فلوس ولا أملاك ولا فرح كبير. إحنا كنا بس عايزين
— إنتِ كويسة النهارده؟
بعد دموع كتير ونقاشات وشكوك… أخدنا القرار أخيرًا.
اتجوزنا.
ماكانش في فرح كبير. مفيش موسيقى ولا معازيم كتير. بس أكلة بسيطة مع شوية أصحاب قريبين. أنا لبست فستان أحمر غامق. وأحمد لبس بدلة قديمة، لكنها مكوية بعناية.
في ناس باركت لنا. وناس هزت راسها بعدم رضا. سمعت كل الكلام… لكن أنا ماعدتش عندي عشرين سنة عشان أعيش حسب كلام الناس.
وجت ليلة الفرح.
حتى مجرد إني أقول الكلمة دي كان بيخليني أبتسم بإحراج. الأوضة كانت نضيفة والملايات جديدة. قعدت على طرف السرير وقلبي بيدق بسرعة كأني بنت صغيرة من تاني.
كنت متوترة… مكسوفة شوية… ومتحمسة شوية.
دخل أحمد الأوضة وقفل الباب بهدوء وراه… وفي اللحظة دي قلبي بدأ يدق أسرع.
وقف شوية يبصلي ويبتسم نفس الابتسامة الهادية اللي أعرفها من زمان. قرب مني ببطء وقعد جنبي على طرف السرير.
قال بصوت هادي:
— إنتِ خايفة؟
ضحكت بخجل وقلت:
— شوية… حاسة كأني بنت عندها عشرين سنة تاني.
مد إيده ومسك إيدي برفق. كانت إيده دافية، لكن باين عليها تعب السنين… تجاعيد وعروق واضحة بتحكي عن سنين شغل طويلة.
بدأ يساعدني بهدوء أخلع الفستان الأحمر. كان بيعمل ده بحذر شديد… كأني حاجة غالية خايف عليها.
لكن فجأة…
رجع خطوة
بصلي بصدمة واضحة على وشه… كأنه شاف حاجة ماكانش متوقعها. عينيه وسعت شوية، وبعدها بص للأرض لحظة.
في اللحظة دي حسيت بوخزة حزن في قلبي.
افتكرت فورًا كل اللي عمله الزمن في جسمي. ماعدتش البنت الصغيرة اللي عرفها من أربعين سنة. في آثار ولادة… وتجاعيد خفيفة… وعلامات سنين طويلة من التعب.
اتكسفت فجأة وحاولت أغطي نفسي بإيديا.
وقلت بصوت مهزوز:
— عارفة… أنا ماعدتش زي زمان.
سكت شوية…
وبعدين قرب مني أحمد بسرعة ومسك إيدي قبل ما أغطي وشي.
وقال بصوت فيه حزن صادق:
— لا… مش ده اللي كنت بفكر فيه.
بصلي بعينين مليانين مشاعر وقال:
— أنا بس فجأة حسيت قد إيه من عمرنا ضاع بعيد عن بعض.
قعد جنبي تاني وحط إيده على خدي برفق.
وقال:
— كنت بفكر… لو ماكنّاش افترقنا وقتها… يمكن كنا عشنا السنين دي كلها سوا. كنا ربينا أولادنا جنب بعض… وكبرنا سوا.
دموعي نزلت غصب عني.
لكنه ابتسم ومسح دموعي وقال بهدوء:
— ومع كده… أنا شاكر ربنا إنه رجعك ليا… حتى لو بعد كل السنين دي.
وبعدها حضني بهدوء.
الليلة دي ماكنتش زي ما تخيلتها وأنا صغيرة. ماكانتش ليلة اندفاع أو أحلام.
كانت ليلة مليانة هدوء… وامتنان… وإحساس عميق إن قلبين افترقوا سنين طويلة… أخيرًا لقوا طريقهم لبعض.
في الليلة دي ماكنّاش مجرد عروسين…
كنا