بعد ماسبت شغلي بقلم روماني
بعد ما سبت شغلي، اشتريت بيت صغير على بحيرة كنت دايمًا بحلم بيه… مكان أقدر أتعافى فيه وأبدأ من جديد.
لكن بعد كام يوم بس، أمي اتصلت وقالت فجأة:
"إحنا جايين نقعد عندك بكرة. أبوك قال مفيش مشكلة."
اتصدمت… ولسه بحاول أستوعب الكلام، لقيتها بتقول حاجة أسوأ:
"ولو مش عاجبك… تقدري تشوفي لك مكان تاني تعيشي فيه."
ساعتها سكت… وابتسمت لنفسي بهدوء.
وبدأت أجهز مفاجأة صغيرة ليهم قبل ما يوصلوا.
بعد ما استقلت من شغلي، اشتريت بيت أحلامي على بحيرة صغيرة… كنت عايزة مكان أهدى فيه نفسي وأبدأ صفحة جديدة.
البيت ماكانش فخم ولا حاجة… مجرد بيت خشب بسيط على بحيرة هادية في ريف الفيوم.
فيه بلكونة واسعة بتلف حوالين البيت، ومركب خشب صغير مربوط في مرسى بيعمل صوت خفيف كل ما الهوا يعدي على الميه.
أنا جيت هنا عشان الهدوء.
كنت عايزة أصحى الصبح على صوت الطيور… مش صوت موبايل الشغل.
كنت عايزة أنام الليل كله من غير ما أصحى مفزوعة من التفكير.
بقالي بس أربع أيام في البيت لما أمي اتصلت.
صوتها كان مبسوط وعملي… نفس النبرة اللي بتتكلم بيها لما تكون خدت القرار لوحدها وخلاص.
قالت بحماس:
"عندي
عقلي وقف لحظة… كأن الكمبيوتر عمل إعادة تشغيل.
قلت:
"إيه؟!"
قالت ببطء كأنها بتشرح لطفل:
"أنا وأبوك… هنوصل بكرة العصر. هنجيب مرتبة هوائية لحد ما نشوف هنقسم الأوض إزاي… وآه، خلي عندك قهوة. أبوك بيحب القهوة التقيلة."
كنت قاعدة على رخامة المطبخ، وببص لسطح الترابيزة الخشب اللي دفعت تمنه كله من تعبي وفلوسي.
أوراق ملكية البيت لسه في الملف جنبي… ولسه حاسة إن الحبر اللي عليها منشفش.
قلت بهدوء:
"يا أمي… مينفعش تيجوا تعيشوا في بيتي."
ضحكت ضحكة صغيرة وقالت:
"يا ريم متكبريش الموضوع. ده بيت على بحيرة… الحاجات دي العيلة كلها بتشارك فيها."
قلت:
"بس اسمي أنا اللي مكتوب في عقد البيت."
تنهدت بضيق وقالت:
"أبوك قال مفيش مشكلة."
قلت بهدوء:
"بابا مالوش حق يدي إذن لبيت مش بتاعه."
ساعتها قالت الجملة اللي خلت الهوا في صدري يبرد:
"لو مش عاجبك… تقدري تشوفي لك مكان تاني تعيشي فيه."
مكان تاني.
كأن البيت مش بيتي… وكأن حياتي كلها مجرد ضيافة مؤقتة.
الغريب إن إيدي فضلت ثابتة.
طول عمري يا إما كنت بانفجر غضب… يا إما بسكت وأحس بالذنب لما
لكن حاجة في هدوء البحيرة… المكان اللي جيت له عشان أحمي نفسي… خلتني هادية بشكل غريب.
ابتسمت… رغم إنها مش شايفاني.
وقلت بهدوء:
"ماشي."
قالت بسعادة كأنها كسبت المعركة:
"أيوه كده… دي بنتي. إحنا هنكون عندك حوالي الساعة اتنين. وقولي لأبوك إننا هناخد أوضة النوم الكبيرة."
ماصححتش كلامها.
ماجادلتش.
بس سمعتها لحد ما قفلت التليفون.
وقعدت دقيقة كاملة أبص للشمس وهي بتلمع على سطح البحيرة من شباك الصالة.
أنا اشتريت البيت ده عشان أتعافى.
واكتشفت إن التعافي ساعات بيبدأ… أول مرة تبطل ترجّي حد يحترمك.
قمت من مكاني… أخدت ملف الأوراق… وفتحت اللاب توب.
لو أمي وأبويا جايين بكرة…
يبقى لازم أكون مستعدة.
وقعدت قدام اللاب توب فترة… مش عشان أفكر في مشكلة، لكن عشان أرتب أفكاري.
بعد شوية طبعت ورقة صغيرة…
وكتبت فيها بهدوء:
"أهلاً بيكم في بيتي.
الزيارة مرحب بيها في أي وقت…
لكن الإقامة الدائمة مش ممكنة.
البيت ده اشتريته عشان أعيش فيه بهدوء."
حطيت الورقة في ملف مع عقد الملكية…
وسبتهم على الترابيزة في الصالة.
بعدها خرجت على البلكونة.
البحيرة كانت هادية…
والمية
أول مرة من سنين…
حسيت إن عندي مساحة أتنفس فيها.
تاني يوم…
حوالي الساعة اتنين إلا ربع، سمعت صوت عربية بتقف قدام البيت.
بصيت من الشباك…
لقيت عربية أبويا.
نزل هو وأمي… ومعاهم شنط.
خبطوا الباب.
فتحت لهم بابتسامة هادية.
أمي دخلت وهي بتبص حواليها وقالت:
"المكان حلو أوي."
بعدها قالت بثقة:
"طيب نشوف الأوض بقى."
قلت بهدوء:
"استنوا لحظة."
خدت الملف من على الترابيزة…
وحطيته قدامهم.
وقلت:
"قبل أي حاجة… ياريت تقروا ده."
أمي فتحت الورق… وقرأت.
وبعد ثواني بصتلي بدهشة.
قلت بهدوء:
"البيت ده بيتي… وأنا بحبكم، وأكيد مرحب بزيارتكم في أي وقت."
سكت لحظة وبعدين كملت:
"لكن أنا محتاجة أعيش هنا بهدوء… لوحدي."
الصالة سكتت لحظة.
أبويا بص حواليه في البيت…
وبعدين بصلي.
وقال بهدوء:
"واضح إن المكان ده مهم بالنسبة لك."
هزيت رأسي.
تنهد… وقال لأمي:
"خلينا نسيبها براحتها."
أمي فضلت ساكتة لحظة… وبعدين قالت:
"طيب… هنرجع نزورك قريب."
ابتسمت بهدوء:
"هكون سعيدة بزيارتكم."
بعد شوية…
خرجوا.
الباب اتقفل بهدوء.
رجعت وقفت في البلكونة…
الهوا كان لطيف…
وصوت المية هادي.
ولأول مرة في حياتي…
حسيت إن المكان ده مش مجرد بيت.
ده بداية حياة جديدة… فيها هدوء وحدود واحترام.