طلقها بقلم الهواري

لمحة نيوز

طلقها عشان 'بنت جنايني'.. ومايعرفش إن أبوها هو اللي هيشتريه بفلوسه!"
كاس العصير الغالي في إيد "هنا" كان طعمه زي "مية النار".. واقفة في شقتها الفخمة في التجمع، وأنوار القاهرة بتمط تحت رجليها زي الألماظ البارد. النهاردة عيد جوازهم الخامس، بس الجو كان "مكهرب".
"— أنتي مش سامعة يا هنا؟" صوت "مدحت" كان هادي لدرجة تخوف، نفس الصوت اللي بيمشي بيه موظف غلبان من شركته. "— قولتلك خلاص.. مابقتيش لايقة على 'البرستيج' الجديد."
هنا لفت بوجع وفستانها الحرير بيوشوش في السكون القاتل:
"— برستيج إيه يا مدحت؟ أنا مراتك! أنا اللي وقفت جنبك لما كانت شركتك عبارة عن مكتب متأجر في جراج تحت بير السلم."
مدحت بص لنفسه في المراية وهو بيعدل "الكبك" الألماظ بتاع قميصه:
"— وده كان مقامه وقتها يا حبيبتي.. لكن دلوقتي إحنا داخلين على صفقة بـ 4 مليار جنيه مع مجموعة 'هيليوس'. أنا محتاج شريكة ترفع راسي، عيلة وليها اسم، مش.. مش واحدة زيك."
شاور بصباعه باحتقار على شوية الزرع اللي في البلكونة وكمل بدم بارد:
"— أنتي 'قليلة' أوي يا هنا. أنتي بنت جنيني، وريحة الطين دي لسه لازقة فيكي.. ريحة الفقر والناس العادية."
الكلمة دي وجعتها أكتر من ورقة الطلاق اللي رماها على التربيزة.. شتيمة أبوها "عم أحمد"، الراجل اللي شقي عشان يعلمها وكان قلبه أنضف من الدهب.
مدحت كمل بجبروت:
"— هعرض عليكي عرض 'دكر'.. 50 ألف جنيه وشكراً على كدة، وتطلعي من الشقة دي قبل الصبح. عندي تصوير لمجلة مشهورة هنا

يوم الخميس ومش عايز أشوف وشك."
هنا همست بذهول والوجع بياكل قلبها: "— 50 ألف؟ أنا اللي كتبت لك أول كود لبرامجك! أنا اللي شلت حساباتك 3 سنين!"
ضحك بسخرية: "— كنتي مجرد 'سكرتيرة' شاطرة مش أكتر.. امضي يا هنا وبلاش تخلي المحاميين بتوعي يفرموكي في المحاكم، دول بياكلوا بني آدمين في الفطار. خدي القرشين وروحي لابوكي في 'عشة' الأرياف ازرعي لك شوية ورد."
رزع الباب وراه، والرزعة عملت صدى في الشقة الفاضية زي صوت الرصاصة.
هنا وقعت على الأرض منهارة.. مسح تاريخها، لغى تعبها، رماها كأنها موضة قديمة خلصت.
مدت إيدها تجيب الموبايل عشان تطلب تاكسي يلم شتاتها، بس إيدها كانت بترتعش.. وقع الموبايل، وبصت على "الآيباد" بتاع مدحت اللي نسيه من كتر غطروسته.. الشاشة نورت برسالة سرية من رئيس مجموعة "هيليوس" اللي هتمضي الصفقة.
عين هنا برقت.. هي عارفة الجملة دي.. عارفة التوقيع "اللاتيني" الغريب ده..
من: رئيس مجموعة هيليوس العالمية
إلى: مدحت ستيرلينج
الموضوع: الشروط النهائية للدمج
الرسالة:
"التنفيذ عند الفجر.. وافتكر دايماً، إن 'الأصل' هو العملة الوحيدة اللي ليها قيمة. — أ. ب."
هنا نَفَسها انقطع..
"أ. ب."
أحمد بنهاوي..
أبوها!
تفتكروا مدحت هيعمل إيه لما يكتشف إن "الجنيني" اللي كان بيحتقره هو اللي في إيده يمضي "شهادة ميلاده" أو "ورقة إعدامه" المهني؟ وهل هنا هتسامح ولا هترد الصاع صاعين؟
هنا فضلت باصة للآيباد كأنها مش مستوعبة… الحروف قدامها بترقص، بس المعنى واضح وضوح الشمس.

"أ. ب… أحمد بنهاوي… بابا!"
قلبها دق بعنف، مش بس من الصدمة… من حاجة تانية بدأت تكبر جواها… حاجة اسمها "قوة".
مسحت دموعها بإيد مرتعشة، وبصت حواليها للشقة اللي كانت من شوية قبر… دلوقتي بقت مجرد محطة.
قامت ببطء، سحبت نفس عميق، وقالت بصوت واطي لكنه ثابت: "تمام يا مدحت… اللعبة ابتدت."
تاني يوم…
مدحت كان قاعد في مكتبه الزجاجي في أعلى دور، لابس بدلة مفصلة، وحاطط رجله على رجله، ووشه كله غرور.
المساعد دخل بسرعة: "يا فندم… في وفد من مجموعة هيليوس وصلوا… ومعاهم رئيس المجموعة شخصيًا."
مدحت وقف فجأة، قلبه دق من الحماس: "جت اللحظة…"
ظبط الكرافتة، وخرج بخطوات واثقة.
باب قاعة الاجتماعات اتفتح…
دخل الأول فريق أجانب، وراهم راجل كبير في السن، شعره أبيض، لكن حضوره تقيل… هيبة مش محتاجة تعريف.
مدحت ابتسم ابتسامة واسعة ومد إيده: "مستر أحمد بنهاوي؟ شرف ليا—"
لكن الجملة اتكسرت في بقه…
لأن الراجل معداش عليه… كأنه مش موجود أصلاً.
عدّى جنبه ووقف…
قصاد هنا.
اللي كانت داخلة بهدوء… لابسة بدلة بسيطة شيك، وشها هادي، وعنيها فيها قوة عمر مدحت ما شافها.
أحمد بص لها بابتسامة حنية: "اتأخرتي يا هنا."
هنا ابتسمت ابتسامة خفيفة: "كنت بخلص شوية إجراءات… يا بابا."
الصمت نزل على القاعة زي القنبلة.
مدحت وشه شحب فجأة: "بابا؟!"
هنا لفتت له ببطء… نفس اللفة اللي كانت مليانة وجع امبارح… بس المرة دي مليانة سيطرة.
"أيوه يا مدحت… بابا."
مدحت ضحك ضحكة متوترة: "إيه الهزار ده؟!"
أحمد بص
له أخيرًا… نظرة واحدة كفيلة تكسر أي حد: "الهزار الوحيد… إنك كنت فاكر نفسك كبير."
قعد الكل، وهنا فتحت الملف قدامها، واتكلمت بصوت عملي: "نبدأ بقى؟ لأن وقت حضرتك غالي… ووقتي أنا كمان."
مدحت حاول يستوعب: "هنا… إنتي—"
قاطعت كلامه بهدوء: "أنا مش 'هنا مراتك'… أنا شريك مؤسس فعلي في الشركة دي… واللي أنت مسحت اسمي من عقودها بطريقة غير قانونية."
سحبت ورقة من الملف وزقتها قدامه: "ودي نسخة من الكود الأساسي اللي اتبنى عليه النظام كله… بإمضتي وتاريخي."
إيده بدأت تترعش.
أحمد اتكلم ببرود: "الصفقة اللي كنت بتحلم بيها… اتلغت."
مدحت صرخ: "إيه؟!"
"واتحولت… لشركة تانية."
هنا كملت بابتسامة خفيفة: "شركة جديدة… باسمي."
الصمت رجع أقسى من الأول.
مدحت حس الأرض بتسحب من تحته: "مستحيل… مستحيل!"
أحمد مال لقدام وقال بهدوء قاتل: "الأصل يا مدحت… مش فلوس ولا شكل… الأصل ناس. وإنت… معندكش أصل."
بعد أسبوع…
مدحت كان واقف قدام نفس البناية… بس مش كصاحبها.
كان خارج منها… بصندوق صغير فيه باقي حاجته.
الشركة اتسحبت منه، القضايا اتفتحت، واسمه بقى عبرة.
بص لفوق… للدور اللي كان فيه مكتبه…
شاف هنا واقفة ورا الإزاز.
بس المرة دي… هي اللي فوق… وهو اللي تحت.
هنا كانت واقفة بهدوء، ماسكة فنجان قهوة.
أحمد دخل عليها: "مش هتنزلي تقابليه؟"
سكتت لحظة… وبعدين هزت راسها: "لا."
"ليه؟"
بصت بعيد وقالت: "اللي يبيعك عشان شكلك… ما يستاهلش حتى يشوفك لما تبقي أقوى."
أحمد ابتسم بفخر.
هنا أخدت نفس عميق،
وبصت لقدام: "إحنا عندنا شغل كتير يا بابا…"
ومشيت.
من غير ما تبص وراها.
ولا مرة.

تم نسخ الرابط