اكتبي الورقة دي من جديد واعتذري عن قصتك الخيالية دي”، الأستاذة المتعجرفة قالتها بسخرية وهي بتقطع بحثي اللي كنت كاتباه عن عيلتي.

لمحة نيوز

كان المفروض تسألي قبل ما تحكمي.
وساعتها باب الفصل فتح تاني، بس المرة دي ما كانش حد مستني يدخل.
كان فيه مدير المدرسة نفسه واقف على الباب، وشه أبيض، وبيهمس
حضرة اللواء فيه قرار عاجل من الإدارة لازم نعتذر فورًا.
وأنا لأول مرة من ساعة ما بدأت القصة دي
حسيت إني مش محتاجة أبرر حاجة لأي حد تاني أبويا ما ردّش على مدير المدرسة فورًا.
كان ساكت، بس سكوته كان أثقل من أي صوت في المكان. عينيه رجعت ليّا للحظة، كأنه بيتأكد إني واقفة كويس، إني ما اتكسرتش من اللي حصل.
وبعدين قال بهدوء
الاعتذار مش كفاية.
الكلمة نزلت على الفصل زي حجر في ميّه ساكنة.
مدير المدرسة ابتلع ريقه وقال بسرعة
حضرتك إحنا نقدر نصلّح الموقف، نطرد المعلمة فورًا، ونفتح تحقيق
بس أبويا قاطعه
الموضوع مش شخص واحد.
لفّ ببطء ناحية الفصل كله.
الموضوع نظام كامل بيعلّم الأطفال إن الحقيقة تتقاس بالشكليات مش بالواقع.
الطلبة ما حدش فيهم اتحرك. حتى اللي كانوا بيضحكوا قبل كده، دلوقتي
باصين في الأرض.
مس جيبل كانت واقفة كأنها مستنية حكم نهائي.
أنا حسّيت بإيدي بتترعش، بس أبويا مدّ إيده ومسّكها لحظة كأنه بيقول لي من غير كلام أنا هنا.
وبعدين قال
أنا مش جاي أعمل مشكلة. أنا جاي أسترجع حاجة اتسرقت من بنتي.
سكت ثانية.
كرامتها.
مدير المدرسة فتح فمه، لكن ما لحقش يتكلم.
أبويا طلع ظرف صغير من جيبه وحطه على مكتب مس جيبل.
ده تقرير رسمي من قيادة الجيش. البحث اللي بنتي كتبته صحيح بنسبة كاملة. كل كلمة فيه موثقة.
مس جيبل بصت للظرف بإيد بترتعش.
والمفرمة دي كمل أبويا بهدوء، هتتسحب من المدرسة فورًا، وهتتحقق الإدارة في طريقة التعامل مع الطلاب.
سكت.
وبعدين قال جملة خلت كل حاجة تقف
وبالنسبة لبنتي هي مش محتاجة حد يصدقها. هي بس محتاجة حد يحترم إنها قالت الحقيقة من الأول.
في اللحظة دي، واحد من الطلبة قام ببطء.
وبعدين قال بصوت واطي
أنا أنا آسف يا ميار.
وبعده اتنين.
وبعدهم الفصل كله بدأ يتحرك.
مس جيبل نزلت عينيها، وصوتها طلع
أخيرًا ضعيف
أنا ماكنتش أقصد أجرحها
أنا بصيت لها.
مش بغضب.
ولا بشماتة.
بس بهدوء غريب.
بس جرحتِني فعلًا.
سكتت.
وأبويا مد إيده تاني، المرة دي على كتفي.
يلا يا ميار.
مشت معاه ناحية الباب.
ولما خرجنا من الفصل، صوت الممر كان مختلف.
كأنه لأول مرة، الحقيقة ما كانتش محتاجة تصرخ عشان تتسمع خرجنا من الفصل، والممر كان هادي بشكل غريب هدوء ما بعد العاصفة.
خطواتي كانت بطيئة وأنا ماشية جنب أبويا، كأني لسه مش مستوعبة اللي حصل. كل حاجة جوايا كانت متلخبطة بين فرحة، وصدمة، وإحساس غريب إني كنت شايلة حاجة تقيلة واتشالت فجأة.
هو ما كانش بيتكلم، بس حضوره لوحده كان كفاية يخلّي أي حد يعدي في الممر يقف احترام من غير ما يحس.
وصلنا عند آخر السلم، وفجأة وقفت.
بابا قلتها بصوت واطي.
بصلي.
أنا كنت فاكرة إنهم هيصدقوني لو كنت أقوى شوية أو لو كتبت أحسن أو لو أثبت أكتر.
سكت لحظة.
وبعدين قال
مش شغلتك إنك تقنعي الناس بحقيقتك يا ميار.
كمل وهو بيحط إيده على
كتفي
شغلتك إنك تفضلي صادقة حتى لو ما حدش صدّقك.
الكلام دخل جوايا بشكل مختلف عن أي كلام قبل كده.
وقبل ما أرد، سمعنا صوت خطوات سريعة جاية من ورا.
لفينا.
كانت مس جيبل.
لكن مش زي ما كانت في الفصل.
مفيش سخرية، مفيش تكبر بس وشها كان مرهق، كأنها فقدت حاجة مهمة فجأة.
وقفت قدامنا وقالت بصوت متقطع
حضرة اللواء أنا عايزة أعتذر ليها شخصيًا.
أنا ما اتكلمتش.
هي بصتلي مباشرة.
أنا غلطت وكسرتك قدام زميلك وده ملوش أي مبرر.
سكتت ثانية، وبعدين كملت
ولو تقدري سامحيني.
الممر كله كان ساكت.
أنا بصيت لأبويا.
هو ما ضغطش عليّ، ما تدخلش، بس عينه كانت ثابتة عليّ كأنه بيسيب القرار ليا.
أنا خدت نفس عميق.
أنا مش عايزة حد يصدقني غصب عنه قلت بهدوء.
سكتت لحظة.
بس عايزة الناس تفهم إن الكذب مش أول تفسير لازم يفكروا فيه.
مس جيبل هزّت راسها.
هحاول أصلح ده.
مشيت خطوة ورا.
وبعدين أبويا فتح الباب الزجاجي الكبير بتاع المدرسة.
الشمس كانت برا أقوى من أي حاجة جوا.

وأول ما خرجنا، حسّيت لأول مرة إن الصوت اللي جوايا بقى مسموع من غير ما أرفع صوتي.

تم نسخ الرابط