جوزي العجوز كان بيديني حباية غريبه كل ليلة وممنوع افتح بوقي .. مع انه ملمسنيش ولا ليلة واحدة ولما ركبت كاميرا شفت اللي ميتخيلوش عقل!"
كده عشان مصلحتك يا بنتي.
مصلحتي؟! تبيعني راجل معرفوش؟
سامي كان ساكت، رأسه لتحت.
قلتله بدموع وغضب
وأنت إيه حقك تتحكم فيا؟
رفع عينه لأول مرة وقال بهدوء
ولا حق ليا. أنا بس كنت بنفذ وعد.
سيبت البيت في نفس الليلة.
أخدت شنطة هدومي، وخطابات أمي، ومشيت.
استأجرت أوضة صغيرة فوق سطح عمارة قديمة، واشتغلت في مكتبة مدرسة.
أول مرة في حياتي أعيش بقراري حتى لو القرار موجع.
أبويا كان بيحاول يكلمني كل يوم، وأنا مردّش.
أما سامي فكان يسيب ظرف كل أول شهر عند البواب.
فيه فلوس، من غير اسم.
وكل مرة كنت أرجعه.
مرت شهور.
وفي يوم، صاحبة المكتبة دخلت تجري وقالت
في راجل كبير وقع في الشارع قدام المحل!
خرجت بسرعة وقلبي وقف.
كان سامي.
وشه شاحب، ونفسه مقطوع.
ركبت معاه الإسعاف للمستشفى من غير ما أفكر.
الدكتور خرج بعد ساعة وقال
هو عنده فشل قلبي من زمان وكان مأجل العلاج.
دخلت له الأوضة.
كان موصل بأجهزة، لكنه أول ما شافني ابتسم.
رجعتي.
قلت بحدة وأنا مخنوقة
متتكلمش.
ضحك بخفة
لسه عصبية زي أمك.
سكت شوية ثم مد إيده المرتعشة لدرج جانبي، وطلع ملف.
ده باسمك.
فتحته لقيت البيت
اتصدمت.
ليه؟
قال بصوت ضعيف
لأن الجواز كان شكلي أنا عمري ما اعتبرتك زوجة. كنت بحاول أأمنك قبل ما أموت.
نزلت دموعي رغمًا عني.
كان ممكن تقول.
كنت جبان وخايف ترفضي المساعدة.
سكتنا طويلًا.
ثم قلت
أنا مش عايزة فلوسك.
ابتسم
أنا عارف عشان كده هتسيبيها وتشتغلي من الصفر.
ضحكت وسط دموعي لأول مرة.
بعد أسابيع، خرج سامي من المستشفى.
لكن المرة دي كل حاجة اتغيرت.
رجع البيت القديم وأنا فضلت في أوضتي الصغيرة.
من غير جواز حقيقي، ومن غير كذب.
كنت بزوره كل جمعة مع أبويا.
نقعد نشرب شاي، ويحكيلي عن أمي، عن شبابهم، عن أخطائهم.
ولأول مرة بقى عندي صورة كاملة عنها.
وفي يوم شتوي، وأنا خارجة، ناداني
استني.
لفيت.
قال وهو ماسك ورقة طلاق جاهزة
حررتك رسميًا.
أخدت الورقة وبصيت له.
ثم مزقتها نصفين.
اتصدم.
قلت بهدوء
أنا اتحررت يوم ما خرجت من البيت. الورقة دي تخصك أنت.
سكت ثم ابتسم بعينين مليانين دموع.
بعد سنة، مات سامي بهدوء في نومه.
وساب لي جواب أخير.
لو سامحتيني، يبقى عمري ما ضاع. ولو مسامحتينيش يكفيني
قفلت الجواب وحطيته جنب خطابات أمي.
وبصيت للسما.
أحيانًا الناس بتجرحنا وهم فاكرين إنهم بينقذونا.
لكن النجاة الحقيقية لما ننقذ نفسنا بنفسنا بعد وفاة سامي، حياتي دخلت مرحلة جديدة.
بعت البيت الكبير، ورفضت ألمس معظم ثروته لنفسي.
جزء كبير راح لمؤسسة علاج مرضى القلب، وجزء اتعمل بيه مكتبة ومركز تعليم مجاني باسم أمي.
أما أنا رجعت للمكان اللي حسيت فيه إني حقيقية الكتب.
كبرت من موظفة بسيطة لمديرة المركز، وبقيت كل يوم أفتح الباب للأطفال والبنات اللي ظروفهم شبه ظروفي خايفين، تايهين، ومحتاجين حد يقولهم إن لسه فيه بداية.
أبويا اتغير هو كمان.
كبر فجأة بعد اللي حصل، وبقى هادي ومكسور بطريقة صادقة.
كان ييجي كل صباح يساعدني يرتب الكتب، ويسكت ساعات، ثم يقول
أنا كنت فاكر إني بحميكي وأنا كنت بكسر فيكي.
وأنا لأول مرة قدرت أسامحه فعلًا مش عشان نسيّت، لكن عشان أتخفف.
مرت سنتان.
وفي يوم، دخل شاب المركز يسأل عن التبرع بكتب قديمة.
كان مدرس تاريخ، اسمه ياسين.
هادئ، مهذب، وعينيه فيها راحة نادرة.
بدأ ييجي كثير. مرة بكتب، مرة يساعد الأطفال، مرة يعمل
ومع الوقت بقينا أصحاب.
الغريب إنه عمره ما سأل عن فلوسي، ولا عن ماضيّ، ولا حاول يدخل حياتي بالعافية.
كان فقط موجود باحترام.
في مساء هادئ، كنا بنقفل المركز، فقال
ممكن أسألك سؤال؟
ابتسمت
اتفضل.
قال
إنتي ليه دايمًا واقفة عند الباب؟ عمرك ما بتدخلي للنص.
سؤاله خبطني من جوه.
كنت فعلًا طول عمري عند الأبواب
باب خوف، باب صفقة، باب هروب، باب نجاة.
عمري ما دخلت حياتي كاملة.
بعد شهور، طلب إيدي.
قلت له من أول يوم
أنا عندي ماضي معقد.
رد بابتسامة بسيطة
وأنا مالي بالماضي؟ أنا بطلب مستقبلك.
تجوزنا في حفل صغير جدًا.
لا فخامة، لا تمثيل، لا شروط، لا أسرار.
وأول ليلة، لما قفل باب الأوضة، جسمي كله شد من الذكرى القديمة.
لاحظ رعشتي.
فبدل ما يقرب، حط مفتاح الأوضة في إيدي وقال
الباب مفتوح والنور مفتوح وكل حاجة بإذنك.
وقتها فقط بكيت.
بكيت على البنت اللي اتخافت، وعلى الست اللي نجت، وعلى الرحمة اللي وصلت متأخر لكنها وصلت.
بعد سنوات، رزقت ببنت.
سميتها نجلاء على اسم أمي.
وفي يوم سألتني وأنا برتب الخطابات القديمة
ماما، مين سامي؟
بصيت للصورة، وابتسمت
وقلت
راجل غلط كتير لكنه حاول يصلح في آخر عمره.
ثم وقلت
وأهم حاجة تتعلميها محدش ينقذك على حساب حريتك أبدًا.