في نص الليل التليفون رن من المستشفى…
“الشرطة!”
ابتسمت.
“لا.”
بوابة المزرعة اتفتحت بعنف.
دخلت عربيات سوداء بلا لوحات.
نزل منها رجال بملابس مدنية.
في المقدمة… رجل شعره أبيض، عيناه جامدة.
بصلي وقال:
“تأخرتِ عن الخدمة 11 سنة يا غراب.”
قلت:
“كنت بربي بنتي.”
نظر لرامي وأصحابه المذعورين.
ثم قال لي بهدوء:
“الملف أكبر من بنتك… عندنا 14 قضية مرتبطة بالمجموعة دي.”
وسلمني تابلت.
فتحت أول صورة…
ليان.
لكن مش من المستشفى.
من كاميرا مراقبة قبل الحادث بدقائق…
كانت بتسلم فلاشة صغيرة لواحد مجهول.
رفعت عيني بصدمة.
الرجل قال:
“بنتك ما كانتش ضحية وبس…”
ثم اقترب وقال أخطر جملة:
“ليان كانت شغالة ضدهم من غير ما تعرفي.”الوقت وقف للحظة.
بصيت للصورة تاني.
ليان واقفة قدام مبنى الجامعة، باين عليها التوتر، ومدية فلاشة لشخص لابس كاب ومخبي وشه.
التاريخ… قبل اللي حصل لها بسبع دقائق فقط.
رفعت عيني للرجل ذو الشعر الأبيض.
“إنت بتقول إيه؟”
قال بهدوء:
“بنتك كانت بتجمع أدلة من جوه المجموعة دي من شهور.”
رامي صرخ من الأرض:
“كداب! هي كانت معانا عادي!”
الرجل بص له ببرود:
“وإنت كنتوا فاكرينها لعبة سهلة.”
ثم قلب صورة تانية على التابلت.
ليان قاعدة في كافيه، بتصور ملفات من لابتوب رامي وهو مش واخد باله.
صورة ثالثة.
بتدخل مكتب إداري في الجامعة بعد الدوام.
صورة رابعة.
بتحط ظرف داخل صندوق بريد.
إيدي بدأت ترتجف… مش خوف،
“ليه ما قالتليش؟”
الرجل رد:
“لأنها كانت عارفة إنك لو عرفتي… هترجعي.”
سكت.
الجملة ضربتني أقوى من أي رصاصة.
ليان كانت عارفة أنا مين.
وعرفت الحقيقة كلها… وخبتها.
كملت بحدة:
“هي دلوقتي في المستشفى بتموت!”
قال:
“لأنهم كشفوها الليلة.”
رامي بدأ ينهار:
“أنا ماكنتش أعرف إنها بتسجلنا… أقسم بالله! الشباب هما اللي زودوها!”
اتجهت ناحيته.
مسكته من ياقة قميصه ورفعته من الأرض.
“مين عنده الفلاشة؟”
بكى وهو يهز رأسه:
“مش معانا… خدها واحد قبل ما نضربها.”
“مين؟!”
بلع ريقه وقال:
“العميد…”
الرجل ذو الشعر الأبيض شد نظره فورًا.
“أي عميد؟”
رامي بص بخوف شديد، كأنه نطق اسم ممنوع:
“عميد الشرطة… حازم الكيلاني.”
الصمت نزل على المكان.
أنا بصيت للرجل الأبيض.
عرفت من عينه إن الاسم خطير.
قال بهدوء قاتل:
“كنت شاكك.”
ثم التفت لرجاله:
“تحركوا فورًا. الكيلاني لو معاه الفلاشة، هيختفي قبل الفجر.”
سألته بسرعة:
“وأنا؟”
بصلي طويلًا.
“إنت ترجعي لبنتك.”
هززت رأسي.
“لا.”
خطوة لقدام.
“اللي عملوه في بنتي فتح باب مقفول. والباب ده مش هيتقفل غير بإيدي.”
في اللحظة دي… هاتفي الشخصي رن.
رقم المستشفى.
رديت فورًا.
صوت الممرضة كان متوتر:
“مدام سارة… بنتك فاقت.”
اتجمدت.
“وقالت جملة واحدة قبل ما تقع تاني…”
نفسي انقطع.
“قالت: قولوا لماما… الكيلاني مش الرأس الكبيرة.”
بصيت للرجل الأبيض.
هو كمان فهم.
يعني في حد أعلى.
حد أكبر من الشرطة.
حد كان شايف كل حاجة.
ثم جاء صوت انفجار بعيد من ناحية الطريق الرئيسي.
واحد من الرجال جري وهو بيصرخ:
“العربيات اتحرقت! حد سبقنا!”
الرجل الأبيض بص لي مباشرة.
وقال:
“الحرب بدأت فعلًا يا غراب.”
وأنا لأول مرة من سنين… ابتسمت.النار كانت طالعة من الطريق الرئيسي، عمود دخان أسود بيشق السما.
رجالة الرجل الأبيض جريوا ناحية البوابة، لكن هو ما اتحركش.
كان واقف يبصلي… كأنه بيقيس إذا كنت لسه نفس الشخص اللي اختفى من 11 سنة، ولا بقيت مجرد أم مكسورة.
قلت له:
“اسمك.”
رد بعد ثانية:
“اللواء معتز شاهين.”
“ولواء ليه متخفي كده؟”
ابتسم ابتسامة خفيفة بلا فرح:
“لأن اللي بنطارده أعلى من أي رتبة.”
في نفس اللحظة، جاله اتصال مشفر.
رد، سمع ثواني، ثم قفل.
ملامحه اتغيرت.
“المستشفى اتهاجمت.”
الدم جمد في عروقي.
“ليان؟!”
“اتنقلت قبل الهجوم بثلاث دقايق… بس مش بمعرفتنا.”
صرخت:
“يعني اتخطفت؟!”
قال بحدة:
“يعني في حد جوه المستشفى كان أسرع مننا.”
ركبت عربيتي من غير ما أستأذن.
هو فتح الباب الخلفي وقعد جنبي.
“أنا بسوق.”
قلت وأنا شغالة الموتور:
“أنا الليلة دي ما بسيبش حد يسوقني.”
وانطلقت.
الطريق كان فاضي، وأنا بدوس كأن الأسفلت عدوي.
معتز فتح التابلت، وبدأ يتتبع إشارات أجهزة المستشفى.
“في عربية إسعاف خرجت بدون تصريح… متجهة للميناء
قلت:
“ميناء؟”
رد:
“لما يكون في نقل بشر… البحر أسهل من البر.”
وصلنا الميناء قبل الفجر.
مخازن قديمة، رافعات صدئة، وريحة ملح وزيت.
شاف معتز نور بيتحرك جوه مخزن رقم 7.
أشار لي:
“ندخل بهدوء.”
هززت راسي وفتحت شنطة الحقيبة السوداء.
طلعت مسدس كاتم صوت… ثم رجعته مكانه.
قلت:
“لا.”
طلعت سكيني فقط.
“الليلة دي شخصية.”
دخلنا من باب جانبي مكسور.
من جوه، كان في صوت جهاز تنفس صناعي متنقل.
وقفت.
القلب عرف قبل العقل.
ليان هنا.
تزحلقنا بين الصناديق لحد ما شفنا المشهد:
ليان على سرير طبي متنقل، فاقدة الوعي.
جنبها دكتور.
وأمامهم رجل لابس بدلة أنيقة، ضهره لينا.
كان بيتكلم في الهاتف:
“أيوه يا فندم… البنت اتحركت. الفلاشة لسه ما اتلاقتش، بس هنطلع المعلومة منها.”
صوته كان مألوف.
مؤلم.
مستحيل.
لف ببطء…
وكان كريم الدهبي.
أبو رامي.
ابتسم لما شافني.
“كنت عارف إنك هتيجي يا سارة.”
قلت بصوت منخفض:
“إنت مجرد سمسار… مين فوقك؟”
ضحك.
“الناس دايمًا تفتكر إن الفلوس هي القوة… لكن القوة الحقيقية إنك تعرف أسرار الكل.”
معتز خرج من الظل ورفع سلاحه:
“انتهيت يا كريم.”
لكن كريم ما خافش.
بالعكس… بص لمعتز وقال:
“متأكد يا لواء؟ قولهم مين كان بيمول عملياتك السرية من 8 سنين.”
الصمت ضرب المكان.
لفيت أبص لمعتز.
وجهه اتجمد.
كريم كمل وهو يبتسم:
“قولها… مين اللي دفع تمن اختفاء الغراب
بصيت لمعتز… أول مرة أشوفه يتردد.
قال بصوت خافت:
“سارة… اسمعيني…”
لكن فات الأوان.
لأن في نفس اللحظة…
ليان فتحت عينيها، رفعت إيد مرتعشة، وأشارت مباشرة إلى معتز.
ثم همست:
“هو… الخاين…”