أمضت أمي ثماني سنوات تبكي أمام قبر أخي… حتى مساء الأمس، عندما رأيته يعمل في دكان صغير في بحري.

لمحة نيوز


"أمنا… ومفيش وقت أشرح."
في اللحظة دي، الباب اتفتح.
وظهر رجل في منتصف الأربعينات، أنيق، ببدلة داكنة، ملامحه هادئة زيادة عن اللزوم.
بص حوالين المكان… ثم وقع نظره عليّ.
ابتسم ابتسامة صغيرة وقال:
"إنت أخوه… مش كده؟"
قلبي وقع.
مصعب خرج من الممر بسرعة وقال:
"إبعد عنه."
الرجل هز رأسه بهدوء:
"مش جاي أؤذي حد الليلة… بالعكس."
سكت لحظة، ثم أضاف جملة خلت الهواء يبرد في الغرفة:
"أنا جاي أكمل اللي ما اكتملش يوم حادث طريق مدني."
بصيت لمصعب.
كان وشه أبيض تمامًا.
وقال بصوت منخفض جدًا:
"ده هو… اللي خلاني أموت في نظرهم."
الرجل دخل خطوة للداخل، وقال:
"مصعب ما ماتش في حادث… مصعب اتاخد قبل ما يموت."
ثم بصلي أنا تحديدًا:
"وسؤال مهم… أمك لسه بتروح تزور قبر فاضي؟"
في اللحظة دي… مصعب صرخ لأول مرة:
"كفاية!"
لكن الرجل رفع إيده بهدوء وقال:
"لو عايزين الحقيقة… لازم تخرجوا دلوقتي… لأن الليلة دي مش هتنتهي هنا."
وفجأة…
سمعنا صوت عربية تقف بسرعة قدام البيت.
ثم صوت باب بيتفتح في الخارج.
مصعب همس:
"اتأخرنا…"
ونظر لي وقال الجملة الأخيرة قبل ما الدنيا تقلب:
"لو خرجت دلوقتي… هتعرف ليه أبوك كان بيخاف يروح القبر."قبل ما أستوعب كلامه، صوت خطوات تقيلة اتجه ناحية الباب من برّه.
الرجل اللي دخل ابتسم بهدوء غريب

وقال:
"أخيرًا وصل."
مصعب شدني ناحيته وقال بسرعة:
"متتحركش… أيا كان اللي هيحصل."
الباب اتفتح مرة تانية…
لكن المرة دي ما كانش شخص واحد.
اتنين رجال دخلوا، شكلهم واضح إنهم مش عاديين. نظراتهم مركزة، وكأنهم بيدوروا على حاجة مش على حد.
واحد منهم قال:
"فين الورق؟"
الرجل الأنيق رد بهدوء:
"جوه… زي ما اتفقنا."
هنا بدأت الصورة تتضح… أو تتعقد أكتر.
بصيت لمصعب:
"ورق إيه؟!"
رد بصوت مكسور:
"دليل… على اللي حصل يوم الحادث."
فجأة، الرجل الأنيق بص ناحيتي وقال:
"أبوك كان عارف إن ابنه ما ماتش… وكان عارف مين ورا اللي حصل."
قلبي اتجمد.
"بس اختار يسكت."
مصعب صرخ:
"كفاية كذب!"
لكن الرجل كمل وكأنه ما سمعش:
"اختار يسكت عشان يحمي نفسه… ويكمل حياته."
في اللحظة دي، حسيت الأرض بتسحب من تحت رجلي.
مصعب بصلي وقال:
"مش زي ما هو بيقول… أبوك كان مضغوط… وكان بيتراقب."
قبل ما أي حد يتكلم تاني، صوت خبط جامد جه من برّه تاني… لكن المرة دي الباب اتكسر.
ودخلت قوة مسلحة.
مش شرطة عادية.
ناس شكلهم رسمي لكن ملامحهم جامدة.
الرجل الأنيق رفع إيده وقال بهدوء:
"اتأخرتم… الحقيقة بدأت تظهر."
مصعب قرب مني وهمس:
"دلوقتي… مفيش رجوع."
ثم أضاف:
"لو عايز تعرف كل حاجة… لازم نخرج من هنا حالًا."
وسط الفوضى، واحد من القوة دخل وصرخ:
"
كل الموجودين ممنوع يتحركوا!"
لكن قبل ما يقتربوا…
الرجل الأنيق رمى ملف على الأرض وقال:
"ده كل اللي فضِل من الحقيقة…"
وبص لمصعب وقال:
"اختار دلوقتي… هتفضل تختفي؟ ولا هتكمل وتواجه اللي بدأ من 8 سنين؟"
مصعب بص لي… وبص للملف…
ثم قال بصوت هادي جدًا، لأول مرة فيه ثبات:
"هكمل."
وفي اللحظة دي…
الأنوار كلها انقطعت.
وحدنا سمعنا صوت فتح ملف في الظلام…
وصوت واحد بس قال:
"يلا نفتح اللي اتدفن…"في الظلام الكامل، كان صوت تقليب أوراق الملف هو الشيء الوحيد اللي بيتسمع.
مصعب قرب مني وهمس بسرعة:
"مهما شفت… ما تتكلمش دلوقتي."
لكن قبل ما أرد، نور كشافات قوية ضربت المكان فجأة.
الضباط بدأوا يفتشوا، والرجل الأنيق واقف مكانه هادي كأنه كان مستني اللحظة دي من زمان.
واحد من القوة صرخ:
"الملف ده مين جابه هنا؟!"
الرجل الأنيق رد بهدوء:
"اللي المفروض ما يدفنش."
واحد من الضباط فتح الملف… ووشه اتغير.
"ده… ده تقرير رسمي عن الحادث… فيه تعديل واضح!"
قلبي بدأ يدق بسرعة.
مصعب بصلي وقال:
"أهو… ده أول جزء من الحقيقة."
الضابط كمل قراءة بصوت عالي:
"الضحية لم يمت في الحادث… تم نقله قبل اشتعال السيارة…"
سكت لحظة، وبص حواليه:
"وفيه طرف داخلي متورط في التلاعب بالموقع."
الصمت كان تقيل جدًا.
وبعدين الضابط بص ناحية
باب البيت وقال:
"مين اللي كان مسؤول عن العملية دي؟"
الرجل الأنيق ابتسم ابتسامة صغيرة وقال:
"اسألوا أبوهم."
في اللحظة دي… حسيت الدنيا بتقف.
مصعب شدني من إيدي بقوة وقال:
"هو ده السبب اللي خلاني أختفي… مش موت… هروب."
قبل ما أي حد يتحرك، صوت عربية برّه وقف.
لكن المرة دي… كانت عربية مختلفة.
هدوء تام.
وبعدين…
نزل منها رجل كبير في السن.
ملامحه مألوفة بشكل مؤلم.
مصعب همس بصوت مكسور:
"أبوك…"
أنا تجمدت.
الضابط بص له وقال:
"حضرتك مطلوب في التحقيق من 8 سنين."
الأب دخل البيت بهدوء غريب، وكأنه داخل مواجهة كان مؤجلها عمر كامل.
بص لمصعب… وبعدين ليّ.
وقال بصوت منخفض:
"كنت فاكر إني بحميكم."
مصعب صرخ:
"حميت نفسك!"
لكن الأب رفع إيده وقال:
"لو اتكلمت وقتها… كنتوا هتتمسحوا من الوجود."
الرجل الأنيق قاطعه:
"بس اختياره خلّى أمكم تفضل تزور قبر فاضي."
سكت المكان كله.
الأب بص للأرض وقال:
"مصعب ما ماتش… لأنه شاف حاجة ما كانش المفروض يشوفها."
بصيت لمصعب.
سألته:
"إيه اللي شفته؟"
مصعب أخد نفس طويل، وقال لأول مرة بصوت واضح:
"شفت اللي قتلني… وهو بيضحك قدام أبويا."
الضباط اتجمدوا.
والرجل الأنيق قال بهدوء:
"والليلة دي… هنكمل اللي بدأ من زمان."
وفجأة…
مصباح في السقف وقع وانكسر.
والظلام رجع تاني.
لكن قبل
ما الدنيا تسود تمامًا…
سمعنا صوت إطلاق إنذار في كل الاتجاهات.
وصوت واحد بس كان واضح وسط الفوضى:
"ما حدش يطلع من هنا قبل ما الحقيقة تخرج كاملة."

تم نسخ الرابط