الليلة دي بنحتفل بحاجتين"، قالها جوزي وهو رافع الكاس.
ولا فرح.
بس حقيقة باردة.
قلت:
"ده مش جديد…
ده بس اللي كنت بتتجاهله زمان."
سكت.
قال بصوت أوطى:
"أنا فاكر كل كلمة قولتيها."
ابتسمت بسخرية خفيفة:
"المتأخرين دايمًا بيتفكروا متأخر."
قعد على الكرسي قدامي.
كأنه مفيش قوة تانية فيه.
قال:
"أنا مش عايز حاجة… بس كنت عايز أعتذر."
سكتت.
وبعدين قلت:
"الاعتذار مش بيرجع حد… ولا بيصلح وجع."
نزل عينه.
كملت:
"بس ممكن يثبت إنك أخيرًا فهمت."
سكت.
قام ببطء:
"أنا كنت غلطان… فيكي… وفي نفسي… وفي كل حاجة."
بصيتله آخر مرة.
وقلت:
"أيوه…
بس أنا دفعت الثمن بدري…
وإنت دفعته متأخر."
لف يمشي.
قبل ما يخرج قال:
"إنتي بقيتي أقوى من أي وقت."
رديت بهدوء:
"أنا ما بقيتش أقوى…
أنا بس بطلت أستنى حد يكسّرني."
خرج.
وقفت في نفس مكاني…
بس المرة دي مفيش وجع.
مفيش انتقام.
مفيش انتظار.
بس فهم بسيط جدًا:
إن اللي بيبيعك مرة…
مبيقدرش يشتريك تاني حتى لو رجع ندمان.
الهوا كان داخل من الشباك.
هادئ.
نضيف.
كأني أول مرة أتنفس من غير حمل على صدري.
مسكت القلم…
وقعت آخر توقيع في عقد جديد.
وبعدين ابتسمت.
مش علشان كسبت…
لكن علشان:
ماخسرتش نفسي تاني.
النهاية 🔥كملت… 🔥
عدّى وقت تاني…
بس المرة دي مختلف.
مش وقت بيمشي…
وقت بيبني.
أنا كنت فاكرة إن الصفحة اتقفلت خلاص.
بس الحياة دايمًا
في يوم…
وصلني دعوة لمؤتمر كبير للاستثمار وريادة الأعمال.
ومن ضمن المتحدثين…
اسم واحد شدّني:
نادر الوكيل.
سكت لحظة لما شفت الاسم.
مش لأن في خوف…
لكن لأن الفضول ظهر فجأة.
روحت المؤتمر.
مش عشان أشوفه…
لكن عشان أشوف أنا بقيت فين.
القاعة كانت كبيرة.
ناس مهمة.
كاميرات.
تصفيق.
وأضواء.
وقفت في الخلف.
مش عايزة أكون في الواجهة المرة دي.
وفجأة…
هو طلع على المسرح.
بس المرة دي…
مش نفس النادر.
مش واثق.
مش متحكم.
مش متكبر.
بس شخص بيحاول يبدأ من جديد.
بدأ يتكلم:
"أنا كنت فاكر إن القوة إنك تسيطر…
بس اكتشفت إنها إنك تفهم نفسك."
سكت لحظة.
وكمل:
"وإني خسرت أهم حاجة في حياتي…
لما خسرت إنسانة كانت شايلة كل حاجة من غير ما أقدّر."
القاعة سكتت.
أنا سكتت.
مش لأن الكلام لمسني…
لكن لأنه اتقال متأخر جدًا.
بعد ما خلص كلامه…
نزل من على المسرح.
وعينه جت عليا.
وقف.
قرب.
قال بصوت واطي:
"إنتي كنتي هنا؟"
هزّيت راسي:
"من البداية."
سكت.
قال:
"أنا كنت فاكر إنك هتختفي…"
ابتسمت بهدوء:
"أنا عمري ما اختفيت…
أنا بس خرجت من مكان ما كانش شايفني."
سكت.
وبعدين قال:
"أنا بدأت من الصفر."
هزّيت راسي:
"كويس."
سكت لحظة…
وبعدين كمل:
"بس الصفر ده موجع."
رديت بهدوء:
"كلنا بدأنا منه… بس مش كلنا وقفنا
قعدنا ثواني ساكتين.
مفيش عداوة.
مفيش حب.
بس مفيش رجوع.
قال آخر حاجة:
"أنا آسف."
سكتت لحظة طويلة.
وبعدين قلت:
"متتأخرش تاني في الاعتذار…
علشان ميبقاش مجرد صوت من الماضي."
لف.
ومشي.
خرجت من القاعة بعدها بدقايق.
الهوا كان أبرد.
لكن قلبي أهدى.
وقفت قدام الباب.
وبصيت للسماء.
مش منتصرة.
مش منهزمة.
بس أخيرًا…
متحررة.
مسكت شنطتي.
ومشيت.
من غير ما أستنى حد يبصلي…
ولا يختارني…
ولا يندم عليا.
لأن الحقيقة البسيطة دي وصلت أخيرًا:
أنا مش كنت محتاجة حد يثبت قيمتي…
أنا كنت محتاجة أفتكرها بس.
النهاية 🔥كملت… 🔥
عدّى شهور بعد المؤتمر…
الحياة هادية بشكل يخوف شوية في الأول، وبعدها بقيت أستوعبه.
مفيش شد وجذب.
مفيش انتظار مكالمة.
مفيش حد يرفعني ويكسرني في نفس الوقت.
بس في مقابل ده…
كان في حاجة جديدة اسمها: راحة ثابتة.
في يوم عادي جدًا…
كنت في المكتب، براجع ملفات توسع مشروع جديد بره مصر.
السكرتيرة خبطت ودخلت:
"فيه حد بره عايز يقابلك… بيقول إنه جاي من طرف جهة شراكة قديمة."
رفعت عيني:
"مين؟"
سكتت لحظة:
"بيقول اسمه… نادر الوكيل."
الاسم وقع جوه القاعة كأنه رجع من زمن بعيد.
بس المرة دي… مفيش رعشة.
ولا حتى فضول قوي.
قلت بهدوء:
"خليه يدخل."
دخل.
بس اللي دخل مش نفس الراجل اللي كنت أعرفه.
مش نفس
بس كأن الحياة خدت منه كل الأقنعة وخلته واقف على حقيقته بس.
وقف قدامي.
"أنا مش جاي أرجع حاجة."
هزّيت راسي:
"كويس."
سكت لحظة…
وبعدين قال:
"أنا جاي أعتذر… بس المرة دي مش عشان أردك… عشان أريح نفسي."
ابتسمت بس خفّة:
"اتأخرت برضه."
نزل عينه:
"عارف."
قعد على الكرسي قدامي.
مش كراجل متحكم… لكن كإنسان تعبان.
قال:
"كل حاجة خسرتها… علمتني إني كنت عايش غلط."
هزّيت راسي:
"التأخير في الفهم… أغلى خسارة."
سكت.
وبعدين قال:
"إنتي كسبتي."
ضحكت بهدوء:
"أنا مكنتش في سباق معاك أصلاً."
رفع عينه:
"بس أنا كنت شايفه كده."
سكتنا.
لحظة طويلة…
مفيهاش عتاب.
مفيهاش لوم.
بس فيها نهاية حقيقية.
قام ببطء:
"أنا مش طالب فرصة… أنا عارف إني استهلكتها."
هزّيت راسي:
"كويس إنك عارف."
وقف على الباب…
وقبل ما يخرج قال:
"إنتي بقيتي حاجة مختلفة تمامًا."
قلت بهدوء:
"أنا بقيت أنا."
خرج.
والمرة دي…
ما رجعش.
قعدت في مكاني شوية…
وبصيت للمكتب حواليا.
كل حاجة هنا كانت أنا.
من غير ضل حد.
من غير مقارنة.
من غير خوف.
موبايل رن.
رقم غريب.
رديت.
صوت شاب:
"مدام نادية؟ إحنا بندور على شريك لمشروع عالمي جديد… واسمك هو أول اختيار."
سكت لحظة…
وبعدين ابتسمت.
"موافقة."
قفلت.
وقمت من مكاني.
مش علشان أهرب من الماضي…
ولا
لكن علشان الحقيقة اللي اتعلمتها:
اللي يسيب نفسه… مش هيعرف يرجع نفس الشخص حتى لو رجع لك.
خرجت من المكتب.
والشمس على وشي.
ومشيت.
من غير ما ألتفت.
لأن أخطر لحظة في حياة أي حد مش لما يتكسر…
لكن لما يقرر:
مايتكسرش تاني.
النهاية 🔥