في التاسعة والثلاثين من عمري، وافقتُ على الزواج من رجلٍ أعرج… فقط لأُنهي نظرات الشفقة وكلمات الناس
درج صغير بجانب السرير ظرفًا قديمًا، وضعه بين يديه كأنه ثقيل رغم خفته.
قال أنا مش عايش من تصليح موبايلات زي ما الناس فاكرة.
تجمدتُ.
فتح الظرف وأخرج منه بطاقة تعريف قديمة، وشهادة عمل مطوية بعناية.
أنا كنت مهندس صيانة في شركة بحرية كبيرة في وهران وبعد الحادث، ما فقدتش رجلي، لكن فقدت شغلي لما الشركة قررت إنها مش عايزة حد مش مناسب للمظهر العام.
ابتسم بسخرية مريرة من وقتها وأنا سيبت كل حاجة واشتغلت من البيت. مش عشان فقير عشان مش عايز أرجع أتشاف بنظرة شفقة تانية.
شعرتُ أن الأرض تحت قدمي لم تعد ثابتة.
ليس لأنه غني أو فقير
بل لأن الصورة كلها كانت تتغير أمامي، وأنا لا أعرف أي نسخة منه كانت الحقيقة.
ثم قال فجأة، بنبرة أقل حدة
بس في حاجة أهم
توقفت أنفاسي.
أنا ما وافقتش على الجواز منك صدفة أنا كنت عارفك كويس أكتر مما تتخيلي.
اتسعت عيني.
إزاي؟
اقترب قليلًا، وصوته صار أخفض
من سنين كنت بشوفك كل يوم تقريبًا وأنتِ راجعة من شغلك، أو واقفة قدام بيتكم. وكنت دايمًا بسمع كلام الناس عليك ومكنتش قادر أقتنع إنهم شايفينك صح.
صمت.
ثم أضاف
وأنا قررت أطلبك مش عشان أنتِ كبرتي أو الناس قالت لكن عشان كنتِ الوحيدة اللي كانت عايشة رغم كل اللي بيتقال عليها.
في تلك اللحظة، لم
لا عانس، ولا خيار أخير
بل امرأة كانت تُراقَب من بعيد دون أن تدري، وحياتها كانت جزءًا من قصة شخص آخر أيضًا.
ووسط كل هذا الارتباك
سمعت قلبي لأول مرة لا يطلب الهروب.
بل يطلب أن يفهم ظللتُ صامتة لثوانٍ طويلة كأن الكلمات اللي قالها لسه بتتوزّع جوا رأسي واحدة واحدة.
كنت بتراقبني؟
طلعت مني الجملة أخيرًا، مش بنبرة غضب أكتر بنبرة محاولة فهم.
نبيل هز رأسه بسرعة وقال مش بالشكل اللي في بالك. مش مراقبة تخوف كنت بشوفك من بعيد زي أي جار. لكن كنت بلاحظ تفاصيل يمكن الناس التانية ما كانتش تشوفها.
سكت لحظة، ثم أضاف كنتِ دايمًا ماشية مرفوعة الرأس حتى وإنتِ متكسرة من جوا. وده اللي خلاني أختارك.
الكلمة الأخيرة وقفت جوا قلبي.
أختارك.
مش قبلت بيكي
مش اضطريت
لكن اختارك.
شعرت بشيء غريب يتسرّب جواي حاجة بين الخوف والراحة، بين الشك والصدق.
قلت بصوت أخفض طب وإحنا دلوقتي؟ إحنا بدأنا على إيه؟ حقيقة ولا تمثيل؟
نظر إليّ مباشرة هذه المرة، وقال بدون تردد بدأنا على اتنين كانوا بيحاولوا ينجوا من نظرة الناس بس الحقيقة اللي اتكشفت الليلة دي هي أول مرة نقدر نختار بصدق.
ساد صمت طويل.
المطر برا كان بيهدأ تدريجيًا، كأنه هو كمان بيسمع الحوار.
أنا بصيت له لأول
بس شخص قدامي زيي بالضبط، متعب من لعب الأدوار.
قلت بهدوء بس أنا لسه خايفة.
ابتسم ابتسامة بسيطة وقال وأنا كمان.
سكتنا.
لكن المرة دي الصمت ما كانش تقيل
كان صامتين اتنين ما بيثقوش في الدنيا بس بدأوا يفكروا يثقوا في بعض.
وبعد لحظة، مد يده ناحية طرف البطانية وعدّلها بهدوء، وقال نامي بكرة نبقى نشوف الحقيقة من جديد.
وغفلتُ لأول مرة من غير ما أحس إني بتهرب
لكن كأني ببساطة ببدأ أفهم استيقظتُ في الصباح على ضوء باهت يتسلل من نافذة الغرفة، والمطر توقف تمامًا كأن الليل أنهى كل ما فيه من أسئلة.
لكن الهدوء الخارجي لم يكن يشبه ما بداخلي.
التفتُّ ناحية السرير كان فارغًا.
جلستُ بسرعة، وقلبي انقبض بلا سبب واضح.
خرجت من الغرفة لأجد نبيل في المطبخ، واقفًا بهدوء غير معتاد، يعدّ الشاي وكأن الليلة الماضية لم تكن زلزالًا في حياتنا.
قال دون أن يلتفت صحيانة بدري ما قدرتيش تنامي؟
اقتربت ببطء، وسألت كنت فين؟
وضع كوبين على الطاولة، ثم قال ببساطة كنت برا شوية محتاج أتنفس.
سكت لحظة، ثم أضاف وأفكر.
جلستُ أمامه، ويديّ متشابكتان فوق الطاولة.
وفكرت في إيه؟
نظر إليّ مباشرة هذه المرة، نظرة هادئة لكنها أعمق من البارحة.
فكرت
ثم دفع كوب الشاي ناحيتي وقال بس أنا مش عايز حياتنا تكمل كده.
شعرتُ بشيء يتغير داخلي ليس لأنه قال كلامًا كبيرًا، بل لأنه لم يعد يتخفى خلف أي قناع.
قلتُ بصوت أهدأ طب وإحنا نبدأ إزاي؟ بعد كل ده؟
ابتسم ابتسامة خفيفة ببساطة من غير تمثيل.
صمتنا.
لكن هذه المرة، الصمت كان مختلفًا كأنه مساحة فارغة لأول مرة لا تمتلئ بالخوف.
وفجأة، قال في حاجة لازم تعرفيها كمان بس المرة دي مش هتكون صدمة.
رفعت عيني نحوه بحذر.
أخرج مفتاحًا صغيرًا من جيبه، ووضعه على الطاولة.
البيت اللي إحنا فيه مش بيت عادي.
تجمدت.
إيه يعني؟
تنهد وقال ده كان بيت جدّي وورا الحيطة اللي هناك دي في غرفة مقفولة من سنين.
اقتربتُ بنظري ناحية الجدار.
غرفة؟ ليه؟
ابتسم، لكن هذه المرة ابتسامة فيها شيء من الحنين.
لأنها فيها كل حاجة عن الحقيقة اللي الناس في الحي نسيوها أو خافوا منها.
وقفتُ ببطء، وقلبي بدأ يدق أسرع.
إنت بتقول إيه بالظبط؟
نظر إليّ وقال بهدوء بقول إن الليلة اللي فاتت كانت بداية مش نهاية.
ثم أشار ناحية الباب الداخلي في آخر الممر
لو كنتِ مستعدة هتفتحي أول باب في القصة الحقيقية.
وبين خطواتي المترددة نحو الممر
كان إحساس واحد بس هو اللي
إن حياتي اللي كنت فاكرة إنها انتهت من اختيارات مضطرة لسه فيها فصل ما بدأش بعد.