شعرت بأنفاسها الباردة عند أذني وهي تهمس الناس كلها هتفتكر إنك بس وقعتي من على السلم يا مدام فاطمة
شعرت بأنفاسها الباردة عند أذني وهي تهمس:
"الناس كلها هتفتكر إنك بس وقعتي من على السلم يا مدام فاطمة."
للحظة افتكرت إني سمعت غلط. إيديا المعروقة شدت البطانية الصوف اللي على رجلي، وحاولت ألف رقبتي بالعافية ناحيتها. ريم كانت بتبتسم… لكن مش ابتسامتها الرقيقة اللي بتظهرها قدام ابني أحمد، ولا قدام الجيران، ولا ستات الجامع اللي طول الوقت يقولوا قد إيه هو محظوظ بيها.
لأ… دي كانت ابتسامة باردة. محسوبة. ابتسامة واحده مفترسة.
قبل ما ألحق حتى أنطق اسمها، إيديها دفعت الكرسي المتحرك بكل قوة.
وفجأة… الأرض اختفت من تحتي.
أول خبطة كانت عنيفة بشكل مرعب. كتفي اليمين خبط في الحيطة، وبعدها الكرسي اندفع من فوق السلم. كنت سامعة صوت الحديد وهو بيتخبط في درجات الخشب، وحاسة بعظامي وهي بتتكسر مع كل درجة. حاولت أمسك أي حاجة في الهوا… لكن ماكانش فيه غير الفراغ.
لحد ما الكرسي اتكسر في آخر السلم.
ألم نار انفجر في ضهري وجنبي لدرجة إني ماعرفتش أتنفس.
وفجأة… سمعت باب الشقة بيتفتح.
"ماما؟"
ده كان صوت أحمد، طبيعي وهادي، ولسه مايعرفش الكارثة اللي حصلت.
ريم شهقت بسرعة، شهقة متقنة كأنها ممثلة محترفة:
"يا نهار أبيض! مدام فاطمة!"
كنت عايزة أصرخ وأقول الحقيقة، لكن صوتي خرج متقطع وسط طعم الدم:
"هـ... هي… زقتني."
هما الاتنين اتجمدوا.
ريم بصتلي بعيون واسعة مليانة دموع مزيفة:
"مدام فاطمة!
أحمد نزل جري على السلم وركع جنبي:
"ماما، ماتتحركيش… بالله عليكي ماتتحركيش."
صدري كان بيحرقني مع كل نفس، وحسيت إن دراعي اتكسرت، والدم بينزل جنب راسي… لكن الوجع الحقيقي ماكنش في جسمي.
الوجع الحقيقي كان في نظرة ابني.
ماكانش مصدقني فورًا.
لأن ريم قضت سنة كاملة وهي بتبني صورة البنت المثالية… الحنينة، الهادية، المحترمة، خطيبة الأحلام.
وفي المقابل… أنا قضيت سنة كاملة بحاول أقنع أحمد إنها خطر.
صوت الإسعاف بدأ يقرب، وريم نزلت عند آخر السلم وهي بتعيط، ومدت إيدها كأنها بنت مخلصة وخايفة عليا.
لكن وهي قريبة مني… همست بصوت واطي محدش سمعه غيري:
"ولا حد هيصدقك."في اللحظة دي… كنت حاسة إني بموت ببطء.
لكن فجأة، أحمد رفع عينه ناحية أعلى السلم، وملامحه اتغيرت تمامًا.
بص لريم وقال بصوت مخنوق:
"إيه ده؟"
ريم ارتبكت لأول مرة:
"إيه؟"
أحمد طلع يجري خطوتين لفوق، وانحنى جاب حاجة من على الأرض.
كان فردة شبشب ريم.
الجزء الأمامي منها متقطع… وكأنها اتعلقت في الكرسي وقت الزقة.
ريم بلعت ريقها بسرعة:
"أكيد وقعت مني وأنا بجري ألحق طنط فاطمة."
لكن أحمد ما ردش.
فضل باصص للشبشب… وبعدين بصلها بنظرة أنا عمري ما شوفتها في عينيه قبل كده.
نظرة شك.
وفي اللحظة دي، المسعفين دخلوا البيت بسرعة. بدأوا يثبتوا رقبتي وينقلوني على النقالة، بينما أحمد واقف
ريم قربت منه تمسك إيده:
"أحمد… إنت مصدقني صح؟"
لكنه سحب إيده بهدوء.
ولأول مرة… الخوف الحقيقي ظهر على وشها.
في المستشفى، اكتشفوا إن عندي كسر في ضلوعي وشرخ في الحوض ونزيف بسيط في الرأس. الدكاترة قالوا إن نجاتي كانت معجزة.
لكن المعجزة الحقيقية حصلت بعد ساعات.
كنت نايمة تحت تأثير المسكنات، لما صحيت على صوت أحمد وريم بيتخانقوا برا الأوضة.
صوت أحمد كان مليان غضب:
"الكاميرات جابت كل حاجة."
قلبي وقف.
ريم اتكلمت بسرعة وهي بتعيط:
"أحمد اسمعني… أنا كنت متعصبة بس! ماكنتش أقصد تقع بالطريقة دي!"
صوت كف قوي ضرب المكان.
وأحمد صرخ فيها:
"إنتِ حاولتي تقتلي أمي!"
أنا حسيت دموعي بتنزل لوحدها.
كل السنين اللي كنت خايفة فيها إن ابني يختارها عليا… انتهت في لحظة.
لكن الصدمة الأكبر لسه جاية.
لأن أحمد دخل الأوضة بعدها بدقايق، ووشه أبيض كأنه شاف شبح.
قرب من سريري وقعد جنبي وقال بصوت مكسور:
"ماما… في حاجة لازم تعرفيها."
بصيتله بخوف:
"إيه يا ابني؟"
بلع ريقه وقال:
"ريم ماكنتش عايزة تقتلك بس… هي كانت بتحاول تخبي حاجة أخطر."
اتجمدت مكاني.
وأحمد كمل وهو بيرتعش:
"أنا اكتشفت إن أبويا… ما ماتش موتة طبيعية." 🔥الكلمة خبطت في قلبي أقوى من وقعة السلم نفسها.
بصيت لأحمد وأنا حاسة إن الأجهزة حواليا بقت بعيدة، وصوته هو بس اللي موجود.
قلت بالعافية:
"
قعد على الكرسي جنب سريري، ودفن وشه بين إيديه لحظة، كأنه مش قادر ينطق بالحقيقة.
وبعدين قال:
"فاكرة يوم ما بابا مات؟"
طبعًا فاكرة.
أنسى إزاي؟
جوزي مات من ٨ سنين، والدكتور قال وقتها إنها أزمة قلبية مفاجئة. وقع في مكتبه ومقدرش حد ينقذه.
هزيت راسي ببطء.
أحمد رفع عينه ليا:
"أنا لقيت ملف في أوضة ريم… ملف فيه كل أوراق بابا الطبية القديمة."
شهقت:
"وأوراق أبوك عندها ليه؟"
قال بصوت متوتر:
"لأنها كانت بتدور ورا حاجة… ولقيت تقرير متخبي ماحدش شافه قبل كده."
إيدي بدأت ترتعش.
"تقرير إيه؟"
طلع ورقة مطبقة من جيبه وفتحها قدامي.
وعيني وقعت على جملة خلت الدم يتجمد في عروقي:
(آثار مادة سامة بطيئة المفعول تم اكتشافها في التحاليل).
بصيتله بعدم استيعاب:
"سم؟!"
أحمد هز راسه والدموع في عينه:
"حد كان بيسمم بابا يا ماما… على فترات طويلة."
حسيت نفسي مش قادرة أتنفس.
كل الذكريات رجعت فجأة…
تعب جوزي المستمر.
الدوخة.
الترجيع.
تغير شخصيته قبل موته بشهور.
كنا فاكرينها ضغوط شغل.
لكن فجأة…
صورة واحدة ضربت دماغي.
ريم.
ريم كانت السكرتيرة الجديدة وقتها في شركة جوزي.
همست بصدمة:
"مستحيل…"
لكن أحمد قال الجملة اللي دمرت آخر جزء ثابت جوايا:
"في رسائل بين ريم وبابا."
بصيتله برعب:
"رسائل إيه؟"
بلع ريقه وقال:
"كان بينهم علاقة."
الدنيا اسودت قدامي.
جوزي…
أبو
خانني مع البنت اللي بعد سنين حاولت تتجوز ابني؟!
دموعي نزلت وأنا مش قادرة أستوعب القرف اللي كنت عايشة وسطه من غير ما أعرف.
لكن أحمد كمل:
"والأسوأ… إن بابا كان ناوي يسيبها."
رفعت عيني بسرعة.
قال: