"بنت صغيرة اتصلت بالإسعاف وهمست: بابا بيقول ده حب… بس كان بيوجع"
"بنت صغيرة اتصلت بالإسعاف وهمست: بابا بيقول ده حب… بس كان بيوجع"
"بابا قال إنه راجع بعد نص ساعة… وعدّى أربع أيام."
وصل صوت الطفلة لخط الطوارئ ضعيف ومكسور، أهدى حتى من صوت المطر اللي كان بيخبط على أسطح البيوت البسيطة في منطقة عين شمس على أطراف القاهرة.
على الطرف التاني، كان أحمد شريف، موظف النوبة الليلية، قاعد على كرسيه… وفجأة انتبه واستعدل.
— اسمك إيه يا حبيبتي؟
— اسمي مريم… عندي سبع سنين.
بص أحمد على الشاشة… المكالمة جاية من بيت صغير في شارع جانبي، منطقة الناس فيها عارفين بعض… لكن أغلبهم بيبعد عن مشاكل غيره.
— مريم، إنتِ لوحدك؟
سكتت شوية… وبعدها سُمِع صوت بكاء خفيف.
— آه… بابا نزل يجيب دوا وأكل. قال هيرجع بسرعة… بس مرجعش. بطني بتوجعني أوي.
حس أحمد بإيده بتبرد.
— آخر مرة أكلتي إمتى؟
— مش فاكرة… كان في شوية شوربة باردة في حلة… بس كان ريحتها وحشة. شربت مية من الحنفية… وديت شوية لـ"فوفو".
— مين فوفو؟
— الدبدوب بتاعي.
أحمد أشار بسرعة لدورية قريبة.
— مريم، ركزي معايا… في ظابطة جاية لك حالًا اسمها
لما وصلت الظابطة سارة محمود، لقت البيت شبه غارق في الضلمة.
الباب مقفول… لكن ستارة بتتحرك من جوه.
خبطت بهدوء:
— مريم… أنا سارة، جاية أساعدك.
الباب اتفتح سنة صغيرة… عين واسعة، غائرة وخايفة، ظهرت من ورا الخشب.
— مش هتزعقيلي؟
سارة نزلت لمستواها وقالت بهدوء:
— لا يا حبيبتي… محدش هيزعق لك.
فتحت مريم الباب… كانت حافية، لابسة تيشيرت واسع بتاع أبوها، وبطنها منتفخة. شفايفها ناشفة… وإيديها رفيعة بشكل خلّى سارة تحاول تمسك دموعها.
جوه البيت… التلاجة شبه فاضية.
وعلى الترابيزة ورقة مكتوب فيها طلبات:
رز – فراخ – محلول – دوا مريم
جنب التليفون، ملاحظة صغيرة:
"ميعاد مع دكتور سامي – ضروري"
بدأ الجيران يتجمعوا.
ست كبيرة قالت من بعيد:
— أنا كنت حاسة إن حسن مش هيقدر يربيها لوحده.
واحد تاني قال:
— يا عيني على البنت… سابها ومشي.
سارة شدّت على أسنانها. شالت مريم بهدوء… لكن فجأة جسمها ارتخى ووقعت بين إيديها.
— غرفة العمليات! طفلة فاقدة الوعي… اشتباه جفاف شديد.
وسكتت لحظة وأضافت:
— وخدوا بالكوا…
العربية الإسعاف اتحركت وسط البرق والرعد…
وفي نفس الوقت، الجيران كانوا بيرفعوا فيديوهات على فيسبوك، بيتهموا حسن إنه إنسان قاسي…
ولا حد فيهم كان متخيل إن الحقيقة… هتكسر قلب الحي كله.
“بابا قال إن ده حب… بس كان بيوجع… ودلوقتي بقاله أربع أيام مرجعش.”
وصل صوت مريم لخط الطوارئ مكسور، ضعيف، كأن كل كلمة بتطلع منها لازم تعدّي الأول على الجوع والحمّى والخوف قبل ما توصل لأي حد.
أحمد شريف، موظف النوبة الليلية، اعتدل في كرسيه أول ما سمع النبرة دي… خليط صعب بين البراءة والتعب.
هو اتعلم يفرّق بسرعة بين دلع الأطفال… وبين الكارثة.
— اسمك إيه يا حبيبتي؟
قالها بصوت هادي جدًا، كأنه بيحاول يوصّل الطمأنينة من خلال السماعة نفسها.
— مريم… عندي سبع سنين. بابا قال إنه نازل يجيب دوا وأكل… بس المطر وقف ورجع مرتين… وهو لسه مرجعش.
بص أحمد على العنوان… ولما شاف إن البيت في منطقة شعبية بسيطة، حس بقبضة باردة في معدته.
مش أسوأ مكان… لكن من الأماكن اللي الناس فيها تعرف
— مريم، إنتِ لوحدك جوه البيت؟
سكتت شوية… صوت خفيف زي قماش بيتجرّ على الأرض… وبعدها قالت بصوت واطي جدًا:
— آه.
— بابا قال لك رايح فين بالظبط؟
— قال هيجيب دوا الوجع… وشوربة. وقال لي ما أعيطش… عشان الوجع هيخف قريب.
أحمد بلع ريقه… لأن أحيانًا كلام طفل صغير بيحكي عن بيت كامل، أكتر من ألف كلام للكبار.
— فين بيوجعك يا مريم؟
— هنا… في بطني… وتحت شوية… زي لما كان بيعالجني ويقول ده حب… عشان لو ما نظفش الجــرح هتعب أكتر.
أحمد ما قاطعهاش.
مش لأنه مش فاهم خطورة الكلام… لكن لأنه عارف إن الطفل لو حس إنه بيتحقق معاه، هيخاف ويسكت.
لكن الصبر… بيخلّيه يتكلم أكتر.
— الجــرح… جــرح العملية. كان بيقول لازم ينضف حتى لو بيوجع… عشان ما يلتهبش… وإلا هروح عند ماما.
هنا… كل حاجة اتغيرت.
الكلام بقى مش ريحته إساءة زي ما كان ممكن يتفهم في الأول…
بقى ريحته مستشفى… فقر… التهاب… وخوف أب بيحاول ينقذ بنته لوحده.
أحمد أخد نفس طويل… وأشار بسرعة يطلب إسعاف فورًا، لأن كلمة “عملية” من
— مريم، تقدري تفتحي الباب لما الظابطة توصل؟