قصة النمل
لم يكن بيت أم وداد في آخر الحارة يلفت الانتباه إلا بشيء واحد
كل من يمر بجواره يسمع خربشة خفيفة كأن أحدا يحك أظافره في الخشب من الداخل.
خربشة لا يلتفت لها الناس نهارا لكنها تصبح في الليل صوتا كاملا واضحا يطرق في الرأس طرقا.
حين ماټت أم وداد لم يبكها أحد.
ليس لأنها كانت شريرة بل لأنها كانت غريبة الغربة وحدها تكفي ليبقى الناس على مسافة.
كانت تعيش وحدها منذ سنوات وتغلق نوافذها حتى في الصيف ولا تفتح الباب إلا لتأخذ الخبز وتغلقه في وجه الهواء.
ولم يكن أحد يذكر اسمها إلا مقرونا بجملة واحدة
هي تعرف أشياء لا يجب أن تعرف.
في صباح الچنازة جاءت النسوة على مضض ووقفت عواطف بنت الحارة التي لم تكن تخشى الكلام أمام الباب وقالت
يا جماعة البيت ده مش طبيعي. أنا طول عمري باسمع الصوت ده.
ضحك بعضهم لكن الضحك خرج مختنقا كما لو أنهم يضحكون كي لا يعترفوا أنهم سمعوه أيضا.
في الغسل حدث الشيء الذي جعل الخۏف يأخذ شكلا.
لم يظهر ډم ولم تحدث فوضى لكن المغسلة الشابة صړخت فجأة وألقت الدلو من يدها.
قالت اسمعوا! في حاجة بترد!
اقتربت النساء ولم يسمعن إلا صوت الماء ثم صوتا آخر تحت الأرض.
دقة دقة دقة.
كأن البيت يرسل إشارة أو كأن شيئا محبوسا يتعلم كيف يطرق.
قالت إحدى النسوة ده أكيد
لكن عواطف شعرت بالقشعريرة الصوت لم يكن من التابوت بل من جهة الحائط من حيث لا أحد يقف.
بعد الډفن ظنوا أن كل شيء انتهى.
لكن في نفس الليلة استيقظت عواطف على حلم غريب
كانت في بيت أم وداد والبيت خال إلا من بلاطة واحدة في وسط الصالة.
تحرك نفسها قليلا ثم تعود.
وفوقها ظل طويل لا يظهر له جسد.
نهضت عواطف متعرقة.
ظلت تقنع نفسها أنه حلم حتى سمعت ما جعلها تجمد في مكانها
من اتجاه بيت أم وداد جاء الصوت ليس خربشة هذه المرة.
بل همس واضح كأنه من فم قريب
مش أنا اللي أخدتهم أنا اللي خبيتهم.
لم تجرؤ على النظر من الشباك.
وبدلا من ذلك سحبت الغطاء فوق رأسها كأن القماش يمكن أن يمنع الحقيقة من المرور.
لكن الصوت لم يتوقف
ثم جاءت الدقات
دقة واحدة
ثم دقتان
ثم ثلاث
وكأن أحدهم يعد لها شيئا.
وفي الصباح حين قررت أن تذهب وتثبت لنفسها أن كل شيء وهم
وجدت باب بيت أم وداد مفتوحا لأول مرة منذ سنوات.
ووسط الصالة كانت هناك بلاطة مرفوعة قليلا
كأن أحدا بدأ يرفعها ولم يكمل.
وقفت عواطف أمام بيت أم وداد كمن يقف أمام فم مفتوح.
الهواء داخل الباب كان أبرد من الصباح كأن البيت لم يخرج منه الليل بعد.
قالت لنفسها وهي تمسك طرف عباءتها
أكيد حد دخل يسرق أكيد
لكنها كانت تعرف أن
خطت خطوة فصرت ألواح الخشب تحت قدميها بصرير طويل.
ثم سكت البيت.
ليس سكونا عاديا سكونا يراقب.
في الصالة كانت البلاطة التي رأتها مرفوعة بالفعل.
ليست مخلوعة تماما بل مرتفعة عند طرفها كما لو أن يدا رفعتها ثم تذكرت شيئا وتراجعت.
انحنت عواطف ببطء.
أدخلت أصابعها تحت الحافة
كانت باردة وخشنة.
سحبت.
ارتفع حجر البلاط بصوت طق خفيف وكأن الأرض تأوهت.
تحتها كان فراغ صغير ليس قبرا ولا حفرة عميقة بل تجويف ضيق معد بعناية وداخل التجويف كيس قماشي قديم.
لم تفرح عواطف باكتشافه.
بل شعرت بالخۏف من سهولة الأمر.
كأن البيت ترك لها الطريق وتفرج.
فتحت الكيس بيد مرتجفة.
لم تجد ذهبا ولا نقودا.
وجدت شيئا أسوأ
دفترا.
دفتر صغير غلافه متآكل ومربوط بخيط أبيض.
حين فكت الخيط انبعثت رائحة الورق القديم رائحة تشبه بيوتا مهجورة وتواريخ منسية.
الصفحة الأولى كانت مكتوبا عليها بخط دقيق
لو وصلت هنا أنت مش أول واحدة تسمعي.
تراجعت عواطف خطوة وكادت تغلق الدفتر لكن عينيها ظلتا معلقتين بالكلمات.
أكملت القراءة
القرية مش پتخاف من المۏت القرية پتخاف من اللي يفضل عايش بعده.
اللي يسمع الخربشة مش بيسمعها بأذنه.
الخربشة بتكون جوا دماغه جوا المكان اللي بيخبي فيه الحقيقة عن نفسه.
قلبت الصفحة فوجدت قائمة أسماء.
أسماء تعرفها وجوه تمر عليها كل يوم.
وبجانب كل اسم علامة صغيرة دائرة أو خط أو نجمة.
آخر اسم في القائمة كان عواطف.
وبجانب اسمها لم تكن دائرة ولا خط بل نقطة حبر سوداء كبيرة كأن القلم ضغط بقسۏة حتى اخترق الورق.
شعرت عواطف بأن حلقها جف.
كيف كتبته متى ولماذا
سمعت في تلك اللحظة صوتا يأتي من داخل البيت
ليس من الصالة بل من ناحية الممر المؤدي إلى الغرف المغلقة.
صوت جر شيء خفيف على الأرض
ثم توقف.
رفعت عواطف رأسها وابتلعت ريقها بصعوبة وقالت بصوت شبه مېت
في حد هنا
لم يجب أحد.
لكن البيت فعل شيئا آخر
هز الدفتر في يدها.
لم يكن بسبب الهواء ولا بسبب رعشة يدها.
الصفحات اهتزت وحدها وانفتحت بسرعة على صفحة في المنتصف
كأن شخصا يقلبها لها.
وعلى الصفحة المفتوحة كان سطر واحد مكتوب حديثا حبره ما زال لامعا
ما تكمليش لأنك لو كملتي هتفتكري.
لم تكن عواطف تعرف ما الذي ستتذكره
لكنها شعرت أن جسدها كله يعرف.
كل خلية فيها تراجعت
ومع ذلك أصابعها كانت تقلب الصفحة التالية ببطء رغما عنها.
وقبل أن ترى ما فيها صدر من خلفها صوت خاڤت جدا قريب جدا
كأنه واقف عند كتفها
أنا مش أم وداد.
لم تلتفت عواطف فورا.
الصوت كان قريبا جدا لدرجة أنه لم يأت من خلفها فقط
أنا مش أم وداد.
تجمدت.
حاولت أن تقنع نفسها أن من قالها هو خيالها أو حبل صوتي