قبل سبعه وعشرين سنه
من عزلة طويلة إلى عالم مفتوح أمرا يمكن أن يحدث بين ليلة وضحاها. كان كل شيء حوله يبدو صاخبا أكثر مما يحتمل أصوات السيارات ضحكات الأطفال في الحدائق نغمات الهواتف حتى حركة الأشجار في الريح كانت تذكره بأن العالم واسع أكبر بكثير من الأسوار الخفية التي عاش خلفها. بدأ جلسات العلاج النفسي ببطء وحذر يجلس في البداية بصمت يجيب بكلمات مقتضبة ثم يتوقف طويلا قبل أن ينطق بأي جملة. كان كمن يحاول إعادة تجميع مرآة مكسورة يبحث بين الشظايا عن انعكاس يعرفه.
لم تكن الذاكرة تعود دفعة واحدة. كانت تأتيه على هيئة ومضات رائحة صابون معين ملمس بطانية قديمة صوت امرأة تغني بنبرة دافئة. أحيانا كان يستيقظ ليلا وهو يشعر بأنه بين عالمين عالم نشأ فيه معتقدا أنه الحقيقة الوحيدة وعالم جديد يقال له إنه ماضيه المسلوب. وكان أكثر ما يؤلمه أنه لم يكن متأكدا أين ينتمي.
لوريتا لم تضغط عليه. أدركت أن الحب لا يفرض وأن الأمومة ليست مطالبة فورية بالاعتراف بل صبر طويل يشبه جذور الأشجار التي تمتد تحت الأرض دون أن ترى. اصطحبته إلى منزل جديد بيت اختارته بعناية مليء بالنوافذ الواسعة وأشعة الشمس وأصوات الأجراس الهوائية التي تتحرك مع النسيم. لم تعده إلى البيت القديم الذي نشأ فيه طفلا لأن ذلك المكان كان ممتلئا بذكريات
رتبت غرفة له بألوان هادئة ووضعت على الرف صندوقا صغيرا يحوي أشياء من طفولته سيارة بلاستيكية زرقاء كان لا يفارقها كتابا مصورا عن الغابات شريطا أزرق صغيرا فاز به في سباق في روضة الأطفال. لم تقدمها له دفعة واحدة بل كانت تخرج شيئا واحدا كل بضعة أيام كأنها تقدم له خيطا جديدا لنسج هويته من جديد.
في إحدى الأمسيات بينما كانا يجلسان في الشرفة يتأملان غروب الشمس نظر إليها فجأة وقال بصوت خافت هل كنت تغنين لي عندما كنت صغيرا ارتعش قلبها لكنها أجابت بهدوء كنت أفعل. طلب منها أن تغني. بدأت بصوت متهدج أغنية أنت شمسي التي كانت ترددها له وهو رضيع. في البداية ظل صامتا ثم أخذت ملامحه تتغير شيئا فشيئا كأن شيئا في داخله بدأ يستيقظ. وحين وصلت إلى المقطع الذي كانت تهمسه له قبل النوم انهمرت دموعه بصمت. لم يكن بكاء صاخبا بل انكسارا هادئا اعترافا غير منطوق بأن في داخله طفلا يعرف هذا الصوت.
بكيا معا وكانت الأغنية جسرا بين سنوات من الفقد جسرا لم تبنه المحاكم ولا التقارير ولا العناوين بل بنته لحظة صدق خالص.
أما بقية الناجين فقد كانت رحلاتهم متباينة. بعضهم استطاع أن يعانق أما أو أبا طال انتظارهما وانهارت المسافات في لحظة لقاء. آخرون وجدوا أن عائلاتهم
لوريتا لم تتركهم يتفرقون. أقامت عشاءات دورية في منزلها أسمتها لقاء العائدين. كانت تطهو أطباقا بسيطة وتترك الطاولة مفتوحة للقصص للصمت للدموع وللضحكات التي بدأت تعود بخجل. كانت تؤمن أن الشفاء لا يحدث في العزلة بل في الجماعة في شعور الإنسان بأنه ليس وحده في مواجهة ذاكرة مربكة.
في أول اجتماع لهم وقف مالك الذي بدأ يستعيد اسمه ببطء وقال لا أتذكر كل شيء لكنني أتذكر الصمت. أتذكر أن الصمت كان قانونا. أمي أثبتت أنهم مخطئون حين قالوا إن علينا أن ننسى. وربما نستطيع أن نثبت أنه حتى بعد الأسوأ ما زال هناك شيء يمكن بناؤه. لم يكن صوته ثابتا تماما لكنه كان صادقا. وكان في عينيه شيء من العزم لم يكن موجودا من قبل.
بدأ يشارك في جلسات دعم للناجين من الاحتجاز القسري وتعلم كيف يضع كلمات لمشاعر لم يكن يعرف أسماءها. كتب مذكرات قصيرة عن القرية ليس بدافع الانتقام بل بدافع الفهم. أراد أن يعرف كيف يمكن لإنسان أن يقنع أطفالا بأن العالم عدو وأن الحرية خطر.
وفي الذكرى الأولى للمداهمة عادت لوريتا ومالك إلى شجرة البلوط القديمة خلف المدرسة تلك
وضع صورة الصف عند جذعها الصورة التي كانت لوريتا تحملها في محفظتها طوال تلك السنوات. وإلى جانبها وضع حجرا ملونا يحمل أسماء الأطفال الثمانية عشر. لم يكن ذلك وداعا بل اعترافا بأن الماضي لا يمحى لكنه يمكن أن يحتوى.
بالنسبة إلى لوريتا لم تكن الرحلة يوما عن الشهرة أو عن كسب قضية في المحكمة فحسب. كانت عن إعادة ابنها إلى حضن الحياة عن مقاومة فكرة أن على الأم أن تدع الأمر يمضي. كانت تعرف أن كثيرين رأوا في إصرارها عنادا وربما وهما. لكنها رأت فيه واجبا.
وحين وقف مالك إلى جوارها تحت الشجرة ونظر إليها طويلا قبل أن يهمس بكلمة واحدة ماما شعرت أن كل السنوات المظلمة لم تذهب سدى. لم تكن الكلمة مجرد لقب بل كانت إعلانا عن عودة بطيئة عن اختيار واع بالانتماء.
أدركت في تلك اللحظة أن الأمل لا يأتي دائما في هيئة معجزة صاخبة. أحيانا يأتي في تفصيل صغير في وجه غريب منعكس في نافذة في أغنية قديمة أو في يد تمتد رغم كل شيء. وأدركت أن الحب الذي يرفض الاستسلام يمكن أن يعبر عقودا من الظلام ليجد في النهاية طريقه