ابني رمي الكوتش البراند الغالي
إبني رمى الكوتشي الـ "براند" الغالي اللي أبوه جابهوله في عيد ميلاده. لما سألته ليه يا حبيبي كدة؟ رد ببرود: «بيطلع صوت غريب يا ماما». ليلتها، الفضول أكلني، قمت فتشت في الكوتشي ولقيت حاجة جواه خلت الدم يتجمد في عروقي. حاولت أطلب البوليس، بس فجأة الدنيا اسودت في عيني.. ولما فقت... بقلم منال علي
يوم الجمعة اللي فات، "ياسين" ابني تم 14 سنة. وأبوه شرف ومعاه هدية من اللي تخلي أي مراهق ينسى إنه كان زعلان ويتبهر غصب عنه.
علبة شيك، وكوتشي "إصدار محدود" من اللي بيتحطوا في واجهة المحلات الكبيرة في "مول العرب".
طليقي "طارق" مد إيده بالعلبة وكأنه بيقدم غصن زيتون عشان يصالحنا:
«كل سنة وأنت طيب يا بطل، يارب يعجبك.»
عينين ياسين لمعت غصب عنه. كان بيحاول يبان تقيل ومش فارق معاه وجود طارق، بس الحقيقة إنه كان طاير من الفرحة متوفره على روايات واقتباسات كنت واقفة بتابعه من باب المطبخ، وبحاول ملامح وشي متفضحش اللي جوايا. إحنا منفصلين من تلات سنين، وطارق ده عامل زي الموج، يوم عالي ويوم واطي.. يدخل حياتنا أسبوع يقلبها، ويختفي شهور. يدفع النفقة لما يفتكر، يرمي وعود في الهوا، يتأسف، وبعدين يتبخر.
ياسين فتح العلبة بالراحة، بيشيل ورق الزبدة كأنه بيفتح كنز. رفع فردة منهم وقلبها في النور:
«واو.. تحفة يا بابا»، قالها وهو مبهور.
طارق بص لي بابتسامة نصر، كأن الكوتشي ده صك غفران إنه بقى أب مثالي:
«قلت لك هعوضك يا ياسين، ومحدش هيدلعك زيي.»
السهرة عدت هادية، وياسين فضل لابس الكوتشي وبيلف بيه في الشقة، وصوت خبط جزمه في الأرض كان مسموع
تاني يوم الصبح، اتفاجئت بـ ياسين ماشي حافي.
سألته باستغراب: «إيه يا حبيبي؟ فين الكوتشي الجديد؟»
مرفعش عينه من طبق الكورن فليكس:
«رميته في الزبالة.»
برقت عيني: «رميت إيه؟ ده بآلاف الجنيهات يا ياسين! ليه كدة؟»
تردد ثانية، وهز كتافه كأنه بيصغر الموضوع:
«بيطلع صوت غريب.. بيزيق.»
«صوت إيه ده اللي يخليك ترميه؟»
ياسين وطى صوته أوي، وكأن الكوتشي بيسمعنا:
«زي "تكة" كدة.. كأن في حاجة سايبة جوه النعل.»
قلبي انقبض: «طيب وريهوني كدة؟»
هز راسه بسرعة: «لأ خلاص، ارمى يا ماما، مفرقش معايا أصلاً.»
بس أنا عارفة ابني. ياسين مش من العيال المبذرة ولا اللي بيرموا حاجتهم بالساهل، خصوصاً لو حاجة من أبوه. هو من النوع اللي بيمسك في أي ذكرى عشان يحس إننا لسه عيلة طبيعية.
أول ما نزل يروح لصاحبه، جريت على صندوق الزبالة اللي قدام البيت.
قلت لنفسي "إنتي بتأفوري يا منى"، وأكيد دي مجرد خيالات أم خايفة على الفلوس. بس أول ما رفعت غطا الصندوق، ضربات قلبي بقت زي الطبل.
علبة الكوتشي كانت على الوش، وكأن ياسين كان مستعجل يتخلص منها.
طلعتها، وفتحتها، ورفعت الفردتين..
الفردة اليمين كانت أتقل بفرق واضح.
هزيتها براحة..
تك.. تك.
صوت جاي من قلب النعل.. صوت منتظم ومنظم جداً لدرجة تخوف. مستحيل يكون "فتلة" ولا حتى "زلطة" دخلت غلط متوفره على روايات واقتباسات
قلبت الكوتشي.. الخياطة اللي عند الفرش
إيدي سقعت وتلجت.
جبت سكينة مشرشرة من المطبخ، وشقيت الجلد بحذر، وشلت البطانة.
جوه.. كان في لفة صغيرة متغلفة ببلاستيك وملزوقة بـ "شكرتون" في تجويف محفور جوه الإسفنج.
وجنبها — محشور في قلب النعل — جسم أسود صغير فيه لمبة حمراء بتنور وتطفي بانتظام مرعب بقلم منال علي
جهاز تتبع…..
نفسي انقطع. مسكت الموبايل وإيدي بتترعش، وطلبت 122..
وفجأة.. الدنيا بدأت تلف بيا.
دوخة رهيبة خلت ركبي تخونني وأقع في الأرض، والموبايل اتنطر من إيدي.
آخر حاجة شوفتها قبل ما أغيب عن الوعي كانت فردة الكوتشي المفتوحة وجواها السر المرعب..
وشاشة موبايلي منورة، وصوت الظابط بيقول: «ألو.. يا فندم؟ سامعاني؟»
لما فقت، لقيت نفسي مرمية على بلاط المطبخ، ووشي لازق في الأرض الساقعة، وقلبي بيدق كأني كنت في سباق جري. الموبايل كان مرمي بعيد عني بشوية وشاشته مطفية. البيت كان هادي هدوء مرعب، مفيش غير صوت الموتور بتاع التلاجة.
لثواني كدة، مكنتش فاهمة أنا فين ولا إيه اللي حصل.
بعدين عيني جت على الكوتشي..
البطانة كانت مقطوعة، واللفة اللي جواه باينة نصها، وجهاز التتبع الأسود الصغير عمال ينور ويطفي ببرود، وكأن عنده طول بال لكل اللي بيحصل ده.
سندت على الطرابيزة وقومت وأنا دايخة ونفسي غمة عليا. إيدي كانت بتترعش لدرجة إني مكنتش قادرة أمسك الموبايل عدل.
هو أنا أغمى عليا؟ ولا وقعت؟ ولا.. ولا اتسممت؟
الفكرة دي خلت زورك يقف فيه غصة مرعبة.
مسكت الموبايل أشوف سجل المكالمات.. لقيت
قلبي سقط في رجلي.
حاولت تاني، والمرة دي صوابعي طاوعتني:
«النجدة.. معاكوا منى الشاذلي.. لقيت مصيبة في كوتشي ابني.. حاجة ملزوقة جوه وفيه جهاز تتبع. أنا شاكة إن طليقي بيستخدم ابني.»
نبرة العسكري اتغيرت في ثانية: «يا فندم إنتي في خطر حالياً؟»
«مش عارفة»، قلتها وأنا صوتي مخنوق، «بس أنا أغمى عليا فجأة أول ما حاولت أطلبكوا أول مرة.»
«عندك أي مرض؟ تعبانة؟»
«لأ.. مفيش.»
«طيب في ريحة غاز؟»
«لأ.. كله تمام.» بصيت على البوتاجاز والبيت، كله كان طبيعي، وده اللي كان بيخوف أكتر.
«خليكي معايا على الخط.. القوة في الطريق ليكي. متلمسيش أي حاجة تانية، ولو تقدري اقفلي عليكي أوضة وامتني فيها.»
فضلت مبلمة في الكوتشي، واللفة، والجهاز. اللفة مكنش عليها كلام، بس باين إنها "حاجة متنيلة" مكنش ينفع أبداً تكون في كوتشي طفل مراهق.
بلعت ريقي وعملت اللي قالهولي. دخلت أوضتي وقفلت الباب، وقعدت على طرف السرير وماسكة الموبايل بإيدي الاتنين.
بدأت أفتكر اللي حصل الليلة دي..
طارق جاب العشا معاه.. "دليفري" من المطعم اللي ياسين بيحبه. أصر إنه يصب العصير والمشروبات، وأنا رغم إني مكنتش عايزة، شربت علبة مياه فوارة طلعها لي من شنطته.
افتكرت إن الغطاء كان "مطقوق" ومفتوح قبل ما يديهولي.
افتكرت إني محطتش في دماغي وقتها.. عشان هو "أبو ياسين".. عشان كان نفسي نعيش يوم طبيعي زي بقية الخلق.
فجأة، موجة غضب خلت راسي تلف تاني.
خبط رزع على الباب: «بوليس! افتحي يا مدام!»
جريت فتحت الباب ورجعت لورا. دخلت ظابطة ومعاها عسكري، عينيهم بتفحص
«أنا الظابطة مروة»، قالت لي بهدوء، «أنتي منى؟»
«أيوه.»