في الوقت الي كانت حماتي فيه
شوفت لمعة دموع في عينيه، بس مفرقش معايا أحللها.. ندم بجد؟ ولا فصل جديد من فصول الدراما اللي متعود عليها لما الدنيا بتضيق؟ ما بقاش من مسؤوليتي أطبطب عليه أو أداري فضايحه. طلعت ظرف من جنبي وحطيته على الترابيزة. "ده بتاعي.. وده كمان ليك. اقراه."
شريف مسك الظرف بصوابع بترتعش.. جواه ورقة واحدة، رسالة كتبتها في عز الفجر، بوضوح وعقل بعيد عن أي غضب. كان طلب رسمي للانفصال.. من غير إهانات، من غير دراما، مجرد حقائق وقرار نهائي بالمشي في طريق مابيرجعش. "إنتِ بتتكلمي جد؟" تمتم وهو مصدوم. — "أكتر من أي وقت فات." "وهي دي النهاية؟" "لأ،" رديت وأنا باصة في عينيه بكل قوة. "دي البداية.. بدايتي أنا."بقلم الكاتبه نرمين عادل همام
حط إيده على وشه، لثانية افتكرت إنه هيقع من طوله، بس فضل مكانه.. باصص للأرض ومالقاش حاجة يسند عليها. لأول مرة أشوفه هش بالمنظر ده، هو اللي كان دايماً بيتمسح في اسم عيلته وفلوسي عشان يبان مايقهرش. من غير خناق، من غير كرامة حتى، لم نفسه ومشي. ماحاولتش أوقفه.. ولا حتى قلت مع السلامة. سمعت صوت خطواته وهي بتختفي في الممر، وأول ما الأسانسير قفل، الهوا في الزمالك فجأة بقى أخف.. كأن دخان حريق كان خنقاني وفجأة الشباك اتفتح.
الأيام اللي جت بعد كدة مكنتش احتفالات ولا هيصة، كانت أيام هادية وصادقة، هدوء بيخلي الجرح يتنفس من غير ما يتلوث. كملت شغلي، بس المرة دي كنت بضحك أكتر، باكل غدايا بره المكتب، وبنظم حياتي المالية بمشرط جراح. ما فكرتش في الانتقام، كرامتي كانت هي ردي، وده كان كفاية جداً.
"ناني هانم" حاولت تكلمني مية مرة.. رسايل،
بعد شهر، المحامي قالي إن كل حاجة ماشية بسلاسة، الاتفاق هيكون نظيف وعادل. بس اللي غير حياتي بجد مكنش ورقة طلاق ولا تحويل بنكي.. اللي غيرني كان حاجة أصغر بكتير. يوم الضهر، وأنا بجهز حاجتي عشان أعزل مؤقتاً لبيت في "الجونة" — مكان كان نفسي أروحه من زمان من غير وجع دماغ — دخلت كافيه جديد في المعادي. كنت محتاجة هوا، ضوء، ومساحة ليا. بقلم الكاتبه نرمين عادل همام
المحادثة مخدتش وقت، بس وأنا خارجة من المكان، حسيت بحاجة مكنتش عارفاها: حسيت بخفة.. مش حب من أول نظرة، ولا وعود وهمية، بس حسيت إن الدنيا لسه فيها "إمكانيات" تانية.. وإن ليلى لسه عندها حكايات كتير تتحكي.
في اللحظة دي، حسيت إن الحياة ممكن تفاجئني تاني، وإن فيه طرق لسه ممشيتهاش، وضحكة جديدة لسه مضحكتهاش. ناس ملهومش علاقة بماضيّ، ممكن يسيبوا جوايا أثر جميل.. أماكن اسمي فيها مش مرتبط بحد تاني.
الفكرة دي — الصغيرة، المنورة — كانت أول حجر في إمبراطوريتي الجديدة. إمبراطورية مش مبنية على عقارات ولا كروت "سوداء" ولا ألقاب عيلة الشافعي.. دي إمبراطورية مبنية بقراراتي أنا، بقوتي، باستقلاليتي، وبحب نفسي اللي اتعلمت أخيراً أنطقه بعد سنين من السكوت.
الخطوة اللي بعدها كانت واضحة.. خرجت من "الدوبلكس" باتفاق قانوني مفيش فيه ثغرة واحدة. احتفظت بكل مليم
بس دي مابقتش قصتي.. قصتي بقت في مكان تاني خالص. في الجونة، البيت اللي أجرته كان بيبص على البحر، شرفة مليانة ورد "الجهنمية"، ومكتب صغير بشتغل فيه قدام منظر الغروب. الليالي كان فيها ريحة البحر، والأيام كانت بتجيب شمس دافئة بتطبطب على الروح.
كتبت هناك كتير.. عن البيزنس، عن المشاعر، وعن أهدافي الجديدة. بدأت أعمل محاضرات عن "القيادة النسائية"، وفتحت فرع في شركتي مخصص بس لتطوير الستات في المناصب القيادية. سافرت من القاهرة للمنصورة لأسوان، وشاركت تجربتي مع ستات كانوا هما كمان بيعيدوا بناء حياتهم من الصفر.
وفي كل مرة كنت بخلص كلامي، وأشوف عيونهم بتلمع بالأمل، كنت بحس إن كل اللي فات — كل الوجع — كان يستحق. يستحق يوم "مول العرب"، ويستحق الحريق اللي دمر "البيت القديم" عشان يولد من وسط رماده شيء أصدق.بقلم الكاتبه نرمين عادل همام
بعد كام شهر، رجعت القاهرة عشان مؤتمر كبير. مشيت في شوارع الزمالك كأني بزور حياة حد تاني مأعرفوش. مريت قدام الكافيه اللي قابلت فيه ياسين
في فترة تفكيرى كنت رحت الكافيه وقابلته رجل مكافح رجل اعمال كنت شفته في اتفاقيات كثير قبل كداولبق في كلامه
كنت اتكلمت معاه ولقيته صادق يكفي حكياته عن ولدته الست المكافحة ال بتصلي الوقت بوقته وعلمته هو واخواته وتعبت عليهم لما ابوه مات وهو في الثانوي
. كان واقف هناك بيبص عليا وشافني.. ابتسم بذهول وفرحة. ياسين:
اتكلمنا شوية.. عن السفر، عن الخطط، عن حاجات بسيطة. المحادثة كانت خفيفة زي هوا الضهرية، مكنش فيها استعجال ولا وزن تقيل. وإحنا بنودع بعض، ياسين تردد لثانية وقدم لي ورقة صغيرة مكتوب عليها رقمه. ياسين: "لو حابة في يوم نشرب قهوة.. بره حدود الشغل."
خدت الورقة.. ولأول مرة من سنين، حسيت بشرارة دافئة وعميقة جوه قلبي. مش عشان هو "بديل"، ولا عشان خايفة من الوحدة، ولا عشان "علاج".. دي كانت مجرد "إمكانية" لشيء جميل، أصيل، وصحي. شيء جالي لما مابقتش أدور عليه.. لما عرفت أعيش لوحدي، وأضحك لوحدي، وأختار لوحدي.
في الليلة دي، في أوضتي قدام البحر، فتحت الشباك ودخلت هوا الجونة البارد. فتحت الدفتر بتاعي — نفس الدفتر اللي رسمت فيه حياتي — وزودت سطر واحد، واضح ومنور: "أنا مستعدة لأي حاجة تيجي.. ومهما كان اللي جاي، أكيد هيكون جميل."
لأني فهمت إن مش كل الإمبراطوريات لازم تكون مباني وقصور.. فيه إمبراطوريات بتتبني في الصمت، جوه القلب. إمبراطوريتي الحقيقية بدأت يوم ما بطلت أعيط على ناس معرفوش يحبوني..بقلم الكاتبه نرمين عادل همام واستمرت يوم ما بصيت في المراية، وشفت "ليلى" الجديدة.. القوية.. الحرة.. والسعيدة جداً. ال ممكن تكون عيلة جديدة عيلة عارفه يعنى ايه الصراحة والكرامة وعدم الغدر
ياسين كان اتجوز قبل كدا ومراته كانت نسخة من جوزي طماعه وكان طلقها صارحنى انه عاوز يكمل حياتوا معايا ونبني اسرة وطبعا امه عزمتنى على الفطار وجت عندي وطلبتنى
بحبكم في الله
نرمين عادل احمد همام
تمت