يعني ايه يافطة ابويا بقلم نور محمد
"يعني إيه يافطة أبويا تنزل من على باب المحل! ده شقاه وعمره اللي ضاع بين المكن والقماش."
جُملة صرخت بيها وأنا حاسة إن روحي بتنسحب مني، فـ رد عمي "رضوان" ببرود وهو بيسحب كرسي ويقعد عليه: "أبوكِ مات وعليه ديون طوب الأرض لينا، والمحل والمخزن دول يادوب يسدوا اللي عليه، وبعدين تجارة القماش دي عايزة رجالة في السوق تديرها، مش شوية حريم."
أمي لطمت على صدرها وهي بتشهق من الصدمة، وقالت بصوت مليان قهر: "ديون إيه يا ظالم؟ ده كان بيديكم من لحمه الحي! المحل ده كبر بفلوس دهبي اللي بعتهوله وبسهره ليالي وايام وهو شقيان.. جايين دلوقتي تسرقوا ورث اليتامى؟ تعب جوزي مش هيروح ليكم بالساهل!"
وقف عمي وخبط بعكازه على الأرض بعنف وقال: "اسمعي يا ولية، الورق اللي معايا بيقول إن المحل والمخزن بقوا بتوعي بيع وشرا، وبخط إيد جوزك الله يرحمه.. قدامكم لبكرة الصبح، تسلموا مفاتيح المحل وتشوفوا لكم صرفة في الشقة اللي فوقيه كمان، وإلا قسماً بالله هرمي بضاعتكم وهدومكم في الشارع والبوليس هو اللي هيتكلم."
سابنا
حضنتها وأنا بنهج من العياط، وقولت بصوت متقطع: "عمامك كلوا حقنا يا نور، خدوا شقا أبويا وهيطردونا في الشارع."
نور صرخت بانهيار وغضب: "يخدوا إيه؟ ده أنا أبويا كان بيقف على رجله بالـ 15 ساعة عشان يكفينا ويخلينا منمدش إيدنا لمخلوق، إزاي يسرقوا تعبه بالسهولة دي؟ ده احنا ناكلهم بأسناننا!"
مسحت دموعي بعنف وقررت إني مش هستسلم. لبست طرحتي ونزلت جري على "طارق"، خطيبي وابن عمتي، اللي كان المفروض فرحنا كمان شهرين. الراجل اللي اخترته يكون سندي وعكازي بعد أبويا.
روحتله الورشة بتاعته، وأنا بتعلق بقشاية، حكيتله اللي حصل ودموعي بتسبق كلامي، بصلي بتوتر وبدأ يفرك في إيده وقال: "أنا ماليش دعوة يا سلمى، خالي رضوان معاه ورق رسمي، وأنا مقدرش أقف قصاد العيلة ولا أخسر خالي في السوق.. وبعدين
كلامه نزل عليا زي مية نار كوت قلبي، ضحكت بسخرية ووجع من بين دموعي: "الجوازة مش هتنفع؟ يعني إنت كنت شاري فلوس أبويا ومحله مش شاريني أنا؟"
رد ببرود وتهرب من نظرتي: "دي أصول، وأنا راجل على قد حالي وببدأ حياتي."
سبته ومشيّت، وأنا حاسة إن ظهري اتقطم نصين. الخبطة مجاتش من عمي بس، دي جات من أقرب الناس لقلبي واللي كنت فاكراه أماني.
قولت مفيش قدامي غير عمتي الكبيرة، هي حكيمة العيلة وأكيد هتقف معانا وتجيب حقنا. خبطت على بابها، فتحتلي وهي بتبصلي بشفقة مصطنعة وباردة.
قالتلي قبل ما أنطق بحرف: "عرفت اللي حصل يا سلمى.. بصي يا بنتي، عمك معاه حق، التجارة دي بتاعة وحوش، خدي أمك وأختك واقعدوا في أي أوضتين إيجار، وأنا هخلي عمك يمشيلكم مصروف كل شهر يستركم بدل بهدلة المحاكم."
رديت بقهر ونبرة صوتي بترتجف: "مصروف؟ إحنا شحاتين يا عمتي؟ ده مالنا وحقنا ودم أبويا اللي اتصفى في المكان ده!
قالت بقسوة وكأنها بتديني درس: "اللي ملوش كبير يشتريله كبير، وأنتم دلوقتي جناحكم مكسور، ارضوا بقليلكم أحسن ما تطلعوا من المولد بلا حمص وتخسروا كل حاجة."
خرجت من عندها وأنا حاسة إن الدنيا كلها اتآمرت علينا، وإن حيطان البيوت اللي كنت فاكراها عيلة بقت أضيق من القبر. الشوارع كانت زحمة بس أنا كنت حاسة بوحدة قاتلة. كل خطوة بمشيها بفتكر ضحكة أبويا، وتعب أبويا، وطبطبته عليا. إزاي في ليلة وضحاها بقينا في الشارع ومكسورين كده؟
مقدرتش أصلب طولي أكتر من كده، مشيت كتير لحد ما رجلي شالتني لطريق مجهول، الرؤية بدأت تشوش قدامي، النفس بقا تقيل على صدري، محستش بنفسي غير والدنيا بتسود تماماً، وجسمي بيخبط في أسفلت الشارع البارد.
ووسط الضلمة دي، سمعت صوت خطوات سريعة ومربكة بتقرب مني، وصوت رجولي قوي ومألوف جداً بيهزني بخوف ولهفة: "سلمى! سلمى فتحي عينك.. يا ناس حد يطلب إسعاف بسرعة!"
فتحت عيني ببطء وصعوبة عشان أستوعب اللي بيحصل، والمفاجأة اللي شفتها خلتني.........
فتحت عيني ببطء، والوش اللي