ابويا الراجل العادي بقلم زيزي
أبويا، الراجل العادي اللي كان متقاعد من البحرية الأمريكية، مات بهدوء، وترك وراه بيت صغير بسأو على الأقل أخويا اللي مش بيركز في الفلوس، كريم، كان فاكر كده. لكن في الجنازة، جنرال بأربعة نجوم مسكلي كارت عادي ودفعه في إيديا وقاللي
سافر جنيف. قولهم اسم أبوك. هما هيفهموا.
ما قولتش كلمة واحدة لكريم. سافرت بسِرّية لسويسرا، وقعدت في بنك فاخر، متوقع ألاقي فلوس مخباية بسيطة. بس بدل كده، البنكي حط قدامي ملف سري على الترابيزة خلا قلبي يتجمد.
أبويا، حسني، كان مخبي سر صادم لأكتر من عشرين سنة. وأنا واقفة أبص على الرقم الجنوني والشروط القانونية الصارمة في الورقة، رن الموبايل. كان كريم، مصرّ إننا نقسم كل حاجة بعدل. بس أنا بس بصيت للشاشة، وفهمت إنه مش عنده أدنى فكرة إيه اللي هيحصل له
سافر جنيف، الجنرال قاللي، صوته واطي وخشن شوية، بالكاد باين مع البرد الشديد في فرجينيا. قولهم اسم أبوك. هما هيفهموا.
أكتر حاجة فاكرة عنها في النهار ده كانت الريح. كانت بتجري في مقبرة أرلينغتون الوطنية كأنها مالكة كل شبر، وبتحني العلم الأمريكي الصغير اللي واقف مرتب جنب صفوف الرخام الأبيض اللي مالهاش نهاية. السما كانت رمادية باهتة، كأنها كدمة، مهيأ إنها تمطر بس منفعش. الجو كان تقيل ورطب. كان في شخصين تانيين بس باينين عامل المقبرة لوحده بعيد، والجنرال واقف قدامي، نظرته ثابتة، مش هتتغير، زي الحجر اللي تحت رجليينا.
أبويا اتدفن من نص ساعة بالظبط.
كبرت في نورفولك، فرجينيامدينة مليانة بالجيشومكنتش فاهمة فعلاً هو عمل إيه لحد ما قربت أعشرين سنة. الأولاد التانيين كانو بيتفاخروا برتب آباءهم، ترقياتهم، واحتفالات التقاعد الكبيرة على حاملات الطائرات. أبويا، على العكس، كان بيقضي الويك إند يصلح السياج ورا البيت، ويدفع فواتيره قبل ميعادها، ويشرب قهوة سودا الساعة ست بالظبط كل يوم. بعد ما اتقاعد، خد شغل نص يوم في محل أدوات بحرية صغير عند الميناء. كل مرة أسأله ليه لسه بيشتغل رغم المعاش، كان بيضحك ضحكة هادية ويقول إنه بيحب ريحة الحبال المظبوطة وملح البحر الجاف. عمره ما حكى لي حكاية عن الحرب.
وفجأة، النهاية جات صادمة. أزمة قلبية كبيرة على أرضية المطبخ. جارتيست كبيرة كانت دايمًا بتلوحلي لما ياخد الجرايد الصبحاستخدمت مفتاحها الاحتياطي بعد ما مكنش بيرد على الباب يومين. لقتها هناك. الطبيب الشرعي كلمني في المكتب. كنت شغالة كمسؤولة التزام في شركة شحن. فاكرة أنا قاعدة على المكتب، بصت في جدول أرقام منور، الأرقام كلها بتتلخبط وأنا بحاول أفهم الكلام البارد اللي جاي في السماعة.
ماكانش عنده أي ثروة واضحة. ماكانش في بيت تاني في الجبال، ولا أي رفاهية مخبية ورا الأبواب. وصيته كانت بسيطة، مكتوبة بإيده بخط مرتب، قدمها لمحامي محلي هادي وموثوق فيه من سنين. البيت التلات أوض اللي بسيط، اتسابلي أنا. كل الباقيالعربية القديمة، المدخرات القليلة، الأثاث القليلكان قليل جدًا.
أخويا الكبير، كريم، كلمني قبل ما أخلص تنظيم الجنازة.
أتوقع ده كل حاجة، صح؟ قال، والصوت في السماعة شوية متقطع. أبوك ما كانش فعلاً معاه كتير يورينا.
في نبرة صوته كان فيه حاجة ضايقتني على طول. مش حزن. كان تقييم. كأنه بيعد كل حاجة، وبعدين زعلان.
وأنا واقفة في أرلينغتون، بعد ما القس خلص كلامه والصوت العالي لرصاص التحية اتردد في التلال، حسيت بحاجة تثبت جوايا. النهاية. نهاية واضحة لحياة هادية ومنظمة. كنت بظبط الجاكيت، مستعدة أرجع للعربية المستأجرة وأسيب المقبرة، لما شفت الجنرال ماشي ناحيتي على العشب المبلل.
ماعرفش قدم نفسه برتبة أو لقب. لاحظت بس الأربع نجوم على كتفه لما الشمس ضيّت شوية عليه. باين عليه في أواخر الستينات، متحكم في نفسه، واقف بهدوء وكأن وجوده بيطلب احترام من غير أي مجهود. وقف قدامي ومد إيده المجلدة. مسكتها. يده كانت قوية ومجربة.
خدمت مع أبوك، قال بهدوء.
ده صدمني. أبويا عمره ما قاللي إنه اشتغل جنب حد وصل للرتبة دي. الجنرال سايب الصمت يفضل شوية. بص شوية على القبر الجديد، تعبيره صعب التفسير، وبعدين
سافر جنيف، قال. قولهم اسم أبوك. هما هيفهموا.
ماكانش في شرح. لا وقفة درامية، ولا إيماءة مريحة. بس حط إيده في الزي وسلملي كارت أبيض سميك. ما فيهوش شعار، ولا علامة. رقم سويسري واسم واحد مكتوب باللون الأزرق الغامق. قبل ما أسأل أي سؤال، ندى ليه رأسه بخفة ومشى، اختفى بين صفوف الرخام الأبيض.
أنا وقفت في البرد، ماسكة الكارت الأبيض الصغير، بعد ما مشيمسكت الكارت الأبيض في إيديا وماكنت قادرة أصدق اللي حصل. جنيف كانت بعيدة أوي، وكل حاجة حواليا غريبة، البرد مختلف، واللغة مش مفهومة، والناس ماشية بسرعة وأنا حاسة إني تايهة.
ركبت التاكسي وراحت بيه للبنك اللي مكتوب عليه في الكارت. المكان فاخر، أبوابه حديد وزجاج لامع، والموظفين لابسين بدلات كأنهم من عالم تاني. سألت على الشخص اللي اسمه مكتوب على الكارت، وبدون أي تعليق خدوني لمكتب صغير، هادي، مليان رفوف كبيرة وملفات كتيرة.
الموظف فتح ملف سري قدامي، وعيوني وقفت على الرقم اللي مخلي قلبي يتجمد. أبويا، حسني، كان مخبي ثروة ضخمة لأكتر من عشرين سنة، أرقام مالية ماكنتش أتخيلها حتى في أحلامي. وموش بس كده، كل حاجة كانت تحت شروط قانونية صارمة، أي خطأ صغير ممكن يلغى كل شيء.
الموبايل رن فجأة. كريم، أخويا، بيكلمني
أمال هنعمل إيه؟ نوزع كل حاجة بعدل.
بس أنا بصيت للشاشة ومقدرتش أرد. هو مش عنده أدنى فكرة إيه اللي هيصدمه بعد شوية.
قعدت أبص على الملف تاني. كل ورقة كانت تحكي