امي اتصلت بيا بقلم مشيرة محمد

لمحة نيوز

أمي اتصلت بيا الساعة 612 الصبح وهي بتعيّط وبتقول إن أبويا حالته خطيرة ومش قادرين حتى يجيبوا له الأنسولين. أختي خطفت الموبايل وقالت
لو سمحتي ابعتي 100 ألف دولار بسومثلت دور البنت القلقانة بطريقة تستاهل عليها جايزة.
أنا حولت الفلوس من غير ما أرفع صوتي بس هما مكانوش عارفين إن بعد عشر دقايق حلم السفر بتاعهم درجة أولى للمالديف هيقع قدام الكل.
أمي كلمتني أول ما النهار بدأ يطلع الوقت اللي أي خبر وحش فيه بيبقى سهل تصدقيه عشان لسه مفوقتيش تدافعي عن نفسك.
صوتها كان بيتهز.
قالت أبوكي تعبان جدًا ومش معانا فلوس للأنسولين. لو مجابهوش مش عارفة ممكن يحصل إيه.
قمت من مكاني مفزوعة.
أنا طول حياتي شايلة مشاكل العيلة إيجار متأخر، فواتير، أزمات مؤقتة بتيجي كل شهر بشكل جديد. أنا مش غنية أنا بس الوحيدة اللي قدرت تعمل لنفسها حياة مستقرة، وبالنسبة لهم الاستقرار يعني إني متاحة دايمًا.
قلت لها محتاجين كام؟
فضلت تعيط أكتر.
وفجأة أختي دخلت على الخط.
مفيش سلام مفيش ذوق ولا حتى تمثيل زيادة.
قالت ابعتِ الفلوس وخلاص إنتي عارفة إن بابا محتاجها.
كنت سامعة صوت في الخلفية
مش صوت حد متوتر
صوت أكل.
كأنها بتاكل وأنا المفروض أنقذ حياة أبويا.
بلعت كلام كتير جوايا وحولت الفلوس. مش عشان واثقة فيهم بس عشان الأنسولين مش حاجة ينفع أراهن عليها لو طلعوا صادقين.
بعدها

بعت لأمي رسالة
ادفعي للصيدلية على طول وابعتِلي الإيصال.
ردت عليا بقلب 
مفيش إيصال.
بعد يومين كلمتني تاني.
بس القصة اتغيرت شوية التغيير اللي يخلي جلدك يقشعر.
قالت الصيدلية قالت السعر زاد ولسه ناقصنا.
وأختي دخلت في الكلام فورًا، بهدوء غريب
بلاش دراما بابا محتاج الدوا. حوّلي وخلاص.
ساعتها حاجة جوايا بدأت تتغير.
مش عشان تأكدت إنهم بيكدبوا
بس عشان كانوا متفقين زيادة عن اللزوم. مشيره محمد 
المرة دي ما حولتش لهم فلوس.
أنا اللي دفعت للصيدلية بنفسي.
خدت رقم تأكيد واحتفظت بالإيصال وبعت لأمي إن الحساب اتدفع.
ولساعة واحدة بس حسيت براحة.
وبعدين ردت عليا
لسه مستنيين الفلوس.
بس كده.
لا تفسير ولا حتى ارتباك.
كذبة كسولة من النوع اللي الناس بتقوله لما تتعود إن محدش بيراجع وراها.
في الويك إند، كنت في المطار مسافرة شغل وهناك الحقيقة اتكشفت.
كنت ماشية جنب بوابات السفر الدولي، ومعايا قهوة وموبايلي وفجأة سمعت ضحكة أعرفها كويس.
ضحكة أختي.
ضحكة عالية واثقة ومستفزة.
بصّيت
واتجمدت.
أمي.
أختي.
وجوز أختي.
قاعدين في درجة أولى كأنهم في إعلان سفر. كاسات شامبانيا في إيديهم، شنط جديدة على الأرض، وأمي لابسة نضارة شمس كبيرة وشال شيك عمره ما كان عندها قبل كده.
وفوقهم الشاشة مكتوب
المالديف.
لحظة جسمي كله سكن.
مش عشان اتفاجئت
عشان أنا كنت حاسة.

من أول ما حكاية الصيدلية بدأت تتلخبط، وأنا عارفة إن في حاجة غلط. بس في فرق كبير بين إنك تشك إن أهلك استغلوا مرض أبوك عشان ياخدوا فلوسك وإنك تشوفيهم بعينك قاعدين في المطار، عايشين الرفاهية بفلوسك.
أمي بصتلي الأول.
وشها اتغير لثانية واحدة بس.
اللحظة اللي بين إنك اتقفشتي وإنك قررتي تكملي كدب.
وبعدين ابتسمت. بقلم مشيره محمد 
أختي شافتني بعدها، رفعت الكاس شوية، وقالتلي من بعيد بكلمة واحدة
شكرًا.
ساعتها خلصت.
ما صرختش.
ما روحتش لهم.
ما عملتش المشهد اللي بعد كده يقولوا عليه مكبرة الموضوع.
بس سيبت القهوة على جنب وبهدوء عملت مكالمة واحدة.
لأني ساعتها ماكنتش محتاجة عصبية.
كنت محتاجة توقيت.
وبعد عشر دقايق لما موظف البوابة جه ناحيتهم ومعاه اتنين من الأمن
ابتسامة أمي اختفت أخيرًا. الأمن وقف قدامهم في لحظة كانت شبه الصورة اللي بتتسحب منها الحياة واحدة واحدة.
أختي كانت لسه ماسكة الكاس إيدها اتجمدت في الهوا. أمي حاولت تضحك تاني نفس الابتسامة اللي كانت شايلة بيها الكذبة طول الطريق بس المرة دي ماكملتش.
موظف البوابة قال بهدوء حضراتكم مطلوبين للتحقق من بيانات الدفع والحجوزات.
جوز أختي قام بسرعة فيه مشكلة؟ إحنا مسافرين سياحة عادية!
لكن نظرة الأمن ماكنتش محتاجة شرح.
أنا كنت واقفة على بعد خطوات شايفاهم لأول مرة من غير ما يكون في صوتهم
ماسك في دماغي. من غير أبوكي تعبان. من غير الأنسولين. من غير أي حاجة تبرر اللي اتسرق مني.
أمي بصتلي. المرة دي من غير تمثيل.
قالت بصوت واطي إنتي عملتي كده؟
سكتُّ ثانيتين. وبعدين رديت أنا بس اتأكدت إن فلوسي راحت في المكان الصح.
أختي فجأة انفجرت إنتي اتجننتي؟ إحنا كنا بنختبرك!
ضحكت ضحكة صغيرة أول ضحكة حقيقية تطلع من الموقف كله تختبروني بإيه؟ بمرض أبويا؟
الصمت اللي بعد الجملة دي كان أقسى من أي صراخ.
الأمن طلب منهم يتحركوا ناحية غرفة التحقيقات. شنطهم اتسحبت والتذاكر اتراجعت والمشهد كله اللي كان عامل زي حلم مالديف مثالي بدأ يتفكك قدام الناس.
وأنا واقفة مكاني حسّيت إن قلبي مش فرحان ولا منتقم حسّيت بحاجة أبرد راحة.
مش لأنهم اتفضحوا لكن لأنّي لأول مرة بطّلت أكون الحل السهل.
قبل ما يمشوا، أمي بصتلي تاني المرة دي عيونها فيها حاجة شبه الندم، أو الخوف، أو الاتنين.
همست إحنا كنا مضطرين.
رديت بهدوء مفيش اضطرار يخلّي المرض وسيلة.
واتسحبوا.
بعدها بدقايق، المطار رجع طبيعي أصوات، إعلانات، شنط بتتجر بس جوايا كان فيه حاجة اتقفلت للأبد.
طلعت موبايلي. مفيش رسائل. مفيش طلبات. مفيش صوت بيطلب تحولي بسرعة.
أول مرة من سنين أنا اللي كنت متاحة دايمًا بقيت غير متاحة.
ومشيت ناحية بوابتي أنا.
مش علشان أسافر لكن علشان أبدأ من غير ما حد يفتكر إني بنك
قعدت في الطيارة ومشاعري هادية بشكل غريب مش فرح، ومش حزن، لكن إحساس زي اللي بييجي بعد ما
تم نسخ الرابط