امي اتصلت بيا بقلم مشيرة محمد

لمحة نيوز

الألم في مكالمة استغاثة.
وأنا كنت بعيدة بما يكفي عشان أشوف الصورة كاملة.
في يوم، جالي اتصال من أمي من غير أي مقدمة.
قالت إحنا عايزينك تيجي على العشا كلنا.
سكت لحظة. مش خوف لكن حذر.
قلت في حاجة؟
ردت لا بس عشا عادي.
عشا عادي دي كانت أول مرة تتقال من سنين.
روحت.
البيت كان أهدى. مفيش توتر في الهوا زي الأول. مفيش استعجال. مفيش فيه مصيبة جديدة.
قعدنا على السفرة. أكل بسيط مش سفرة احتفالات، ولا محاولة إبهار.
وأول ما بدأنا ناكل أختي قالت فجأة أنا اشتغلت في مكان ثابت.
بصيت لها. كانت مختلفة مش نفس البنت اللي كانت بتستنى فلوس تيجي من غير تعب.
أمي ضحكت ضحكة صغيرة وأنا بقيت بكتب كل المصاريف وبدير البيت بشكل مختلف.
أبويا قال وهو بيبص في طبقه ووقفت أستنى حد يحل مشاكلي غيري.
الجملة دي كانت أهم اعتراف في القصة كلها.
سكتوا يبصوا لي.
كأني المفروض أقول حاجة كبيرة حكم نهائي غفران كامل أو قطع نهائي.
لكن أنا ماعملتش ده.
حطيت الشوكة على الطبق وقلت بهدوء
أنا مش جاية أحاكم حد ولا أرجع زي
الأول.
بصوا لي باهتمام.
كملت أنا بس عايزة علاقتنا تبقى واضحة مفيهاش دور الضحية اللي لازم حد ينقذه كل مرة.
أمي هزت راسها فاهمة.
أختي قالت بصوت واطي وإحنا بنتعلم.
المرة دي الجملة ماكنتش تمثيل.
كانت بداية حقيقية متأخرة.
بعد العشا، وأنا خارجة من البيت، أبويا ناداني.
وقفت.
قال إنتي كنتي أقوى مننا كلنا بس إحنا اتعلمنا ده متأخر.
بصيت له شوية.
وقلت القوة مش إنك تشيل كل حاجة لوحدك القوة إنك متسيبش نفسك تتسحب تاني.
هز راسه.
نزلت السلم.
المرة دي ماكنش فيه خفّة انتصار ولا ثِقل خيانة.
كان فيه حاجة أهدى قبول.
مش قبول اللي حصل لكن قبول إن اللي حصل خلص دوره.
وبعدها بشهور
رجعت علاقتنا تمشي بشكل طبيعي، لكن بشكل مختلف مفيش استعجال. مفيش استغلال. ومفيش إنتي الحل.
بس في مرة واحدة بس وصلني تحويل صغير تاني من أمي.
ومعه رسالة قصيرة
مش طلب بس حب.
وقتها ابتسمت.
لأني فهمت أخيرًا
إن بعض العائلات ما بتتصلحش إنها تبقى مثالية لكن بتتصلح إنها تبقى صادقة.
وأنا ما بقيتش المنقذة.
بقيت ببساطة واحدة
منهم مرّ وقت أطول، والهدوء اللي دخل حياتنا ما بقاش غريب زي الأول بقى طبيعي.
كنت كل ما أرجع البيت ألاقي تفاصيل صغيرة اتغيرت دفتر مصاريف على الترابيزة بدل الفوضى القديمة. مواعيد علاج مكتوبة بخط واضح على التلاجة. وموبايلاتنا بقت تترفع عن الطاولة من غير ما حد يطلب حاجة من حد في النص.
التغيير ماكانش صوت عالي كان بطيء لدرجة إنه شبه ما يتشافش، لكن تأثيره يتلمس.
في مرة، أختي كلمتني لوحدها.
قالت إنتي فاكرة اللي حصل زمان؟
سكت شوية وقلت مش بنسى بس مش بعيش فيه.
هي ضحكت ضحكة قصيرة أنا كنت فاكرة إنك قاسية يومها.
رديت بهدوء وأنا كنت فاكرة إني لازم أكون ضعيفة عشان أكون قريبة منكم.
سكتت.
الجملة دي وقعت في النص كأنها لأول مرة تتقال بصوت مسموع.
بعدها بأيام، أبويا طلب يقابلني لوحدنا.
قعدنا في نفس القهوة اللي كنت قاعدة فيها أول مرة رجعت فيها حياتي لنفسي.
كان شكله أهدى من زمان، بس في عينيه إحساس مختلف إحساس حد بدأ يفهم متأخر.
قال أنا كنت عارف إن اللي بيحصل غلط بس كنت بخاف أوقفه.
قلت
له الخوف مش دايمًا عذر أوقات بيبقى سبب في كسر أكبر.
هز راسه.
وبعدين قال أنا آسف إنك كنتي لوحدك وإنتي وسطنا.
دي كانت أول مرة يحط نفسه في مكانه الحقيقي من غير تبرير.
سكتنا شوية.
الشارع حوالينا كان شغال عادي، بس جوايا كان فيه إحساس غريب مش وجع، ولا فرح نوع من السلام المتأخر.
بعد شهور تانية، أمي بقت تبعتلي صور صغيرة أكل عملته بنفسها. ورق مكتوب عليه مصاريف الأسبوع. وأحيانًا رسالة واحدة بس فخورة بيكي حتى لو زعلتي مني زمان.
ماكنتش برد دايمًا بسرعة.
مش قسوة بس عشان التعافي مش ردود فعل سريعة.
وفي يوم، وأنا واقفة قدام نفس باب البيت القديم، ماكنش عندي نفس التردد اللي كان زمان.
خبطت من غير ما أفكر كتير.
أمي فتحت.
ابتسمت.
وقالت اتأخرتي شوية.
ابتسمت أنا كمان وقلت بس جيت.
دخلت.
البيت كان هو هو بس إحنا اللي كنا اتغيرنا.
ومرة تانية، قعدنا على السفرة.
بس المرة دي ماكنش فيه قصة محتاجة تتصلح كان فيه حياة بتتعيش بهدوء، من غير ما حد يكون فيها البطل الوحيد.
ولأول مرة من زمان حسّيت إن
العيلة مش مشروع إنقاذ.
لكن مكان ممكن كل واحد فيه يتعلم يعيش من غير ما يوجع التاني.

تم نسخ الرابط