رمو ابوهم بقلم زيزي

لمحة نيوز

كانوا واقفين قدام الباب، المطر بينزل بغزارة، والهوا بيصفّر كأنه بيشهد على اللي حصل.
الباب اتقفل وراهم بقسوة.
ولا واحد في عيالهم حتى بص من الشباك.
أمينة مسكت في دراع جوزها وهي بتترعش، مش بس من البرد من الوجع.
قالت بصوت مكسور إحنا رايحين فين يا حسن؟
حسن ما ردّش فورًا.
كان لسه واقف باصص على الباب نفس الباب اللي ركّبه بإيده من سنين، لما كانوا لسه بيبنوا البيت طوبة طوبة.
نفس الباب اللي كان بيقف وراه مستني عياله يرجعوا من المدرسة.
نفس الباب اللي عمره ما تخيّل إنه هيتقفل في وشه بالشكل ده.
نزل راسه في سكون، وبعدين قال بهدوء تقيل نمشي وربنا كبير.
بدأوا يمشوا تحت المطر، الشارع فاضي، والهدوم لازقة في جسمهم من كتر المية.
الشنط كانت تقيلة، بس مش أتقل من اللي شايلينه جواهم.
أمينة كانت كل شوية تبص وراها يمكن حد ينادي عليهم.
يمكن حد في عيالها يجري وراهم ويقول استنوا سامحونا.
بس مفيش.
ولا صوت.
ولا ندم.
وفجأة، حسن وقف.
وقف كأنه افتكر حاجة مهمة.
مد إيده ببطء جوه الجاكيت المبلول وطلع ظرف أصفر قديم.
الظرف كان باين عليه الزمن، بس إيده كانت ماسكة فيه بقوة كأنه كنز.
أمينة بصت له بقلق إيه ده يا حسن؟
بصلها نظرة غريبة أول مرة تشوفها في عينه بالشكل ده.
نظرة فيها وجع وغضب وحاجة أخطر.
وقال بصوت واطي ده الحاجة الوحيدة اللي كنت مخبيها لليوم ده.
قربت منه خطوة، قلبها بيدق بسرعة تقصد إيه؟
حسن بص لقدّام، للمطر اللي مغطي الدنيا، وقال كنت مستني منهم يبقوا بني آدمين بس واضح إنهم اختاروا الطريق التاني.
وفي اللحظة دي نور عربية شق الضلمة.
عربية سودا وقفت قدامهم فجأة.


بابها اتفتح ونزل منها راجل لابس بدلة شيك، باين عليه مستعجل ومتوتر.
بص لحسن بتركيز، وكأنه بيدوّر عليه من زمان.
وقال بسرعة الحاج حسن أخيرًا لقيناك.
أمينة اتفاجئت، وبصت لجوزها بعدم فهم هو في إيه؟!
لكن حسن ما اتصدمش
كأنه كان متوقع.
مسك الظرف بإيده أقوى، وقال بهدوء مرعب اتأخرتوا بس لسه في وقت.
الراجل بلع ريقه وقال الورق لازم يتسلّم حالًا قبل ما كل حاجة تضيع.
أمينة قلبها وقع ورق إيه؟!
حسن لفّ لها ببطء وعينه بقت جامدة الورق اللي هيخلّيهم يندموا على اللي عملوه طول عمرهم.
وساعتها أول مرة أمينة تحس إن الليلة دي لسه ما بدأتش بجد أمينة بصّت له بخوف عمرها ما حسّت بيه قبل كده هتعمل إيه يا حسن؟ دول عيالنا
حسن سكت لحظة والمطر بيخبط في وشه كأنه بيغسّل كل الذكريات.
قال بهدوء تقيل كنت فاكرهم عيالي لحد اللي عملوه النهارده.
الراجل اللي نازل من العربية قرّب خطوة، ومد إيده الملف يا حاج حسن الوقت بيجري.
حسن فتح الظرف الأصفر ببطء وطلع منه رزمة ورق متختومة.
أمينة كانت بتبص ومش فاهمة إيه ده كله؟
حسن أخد نفس عميق وقال البيت مش باسمهم.
اتجمدت مكانها إزاي؟!
بص لها وقال البيت، والأرض، والورشة كل حاجة كانت متسجلة باسم شركة والشركة دي باسمي أنا لوحدي.
الراجل هز راسه مؤكّد وكل التوكيلات اللي مضّوا عليها كانت إدارة بس مش ملكية.
أمينة حطت إيدها على بُقها من الصدمة يعني هما ما يملكوش حاجة؟!
حسن قال ببرود ولا طوبة.
وساعتها لأول مرة، عينيه ما كانش فيهم وجع كان فيهم حسم.
بص للراجل إبدأ.
الراجل طلع موبايله واتصل نفّذوا القرار فورًا.
جوه البيت
الابن الكبير كان قاعد
مرتاح على الكنبة، رجليه ممدودة، وبيشرب قهوته.
قال بثقة أخيرًا خلصنا منهم كنا شايلين همهم بس.
أخته ردّت وهي بتقلب في الموبايل كان لازم يحصل من زمان.
وفجأة
الباب خبط جامد.
كلهم اتخضّوا.
الابن قام متضايق مين اللي بيخبط بالشكل ده؟
فتح الباب
واتصدم.
رجالة كتير واقفين، ومعاهم ظابط ومحامي.
الظابط قال بحزم حضرتك لازم تفضي المكان فورًا.
الابن اتعصب إنت بتقول إيه؟ ده بيتي!
المحامي قدّم له ورق راجع كويس البيت ده ملك شركة، وإنت مجرد ساكن بتوكيل إداري تم سحبه حالًا.
لون وشه اتغير مستحيل!
المحامي قال ببرود من دلوقتي وجودك هنا غير قانوني.
وراهم الجيران بدأوا يتجمعوا.
الأخت الصغيرة بدأت تعيط يعني إيه؟ هنروح فين؟!
والتانية صوتها اتهز إحنا اتضحك علينا؟!
الابن الكبير خرج يجري برا
ولقى أبوه وأمه واقفين تحت المطر.
بس المرة دي
مش لوحدهم.
واقف جنبهم عربيات ورجالة واحترام عمره ما شافه قبل كده.
قرب منهم، صوته مكسور بابا في إيه؟!
حسن بص له النظرة اللي كان مستنيها طول عمره.
بس المرة دي، مفيهاش حب.
قال بهدوء اللي حصل إنك افتكرت إنك تملك اللي مش بتاعك.
الابن وقع صوته إحنا غلطنا بس مش للدرجة دي!
أمينة دموعها نازلة، بس ساكتة.
حسن قال الدرجة دي وأكتر.
الولد حاول يقرب إحنا آسفين ارجع بس، وكل حاجة هترجع زي الأول!
حسن رجّع خطوة لورا.
لا.
الكلمة نزلت عليهم زي الصاعقة.
اللي بينا اتكسر ومفيش حاجة بترجع زي الأول.
البيت وراهم بدأوا يفضّوه
شنط بتترمي
صوت عياط
ونظرات الناس.
نفس اللي عملوه اتردّ لهم.
أمينة مسكت إيد حسن وقالت بصوت واطي كفاية يا حسن قلبي وجعني.
حسن بص
لها ونبرة صوته هدِت شوية أنا ما انتقمتش أنا بس رجّعت الحق.
وبعدين لفّ ضهره للبيت.
المكان اللي كان عمره كله
وسابه.
وهم ماشيين، أمينة قالت هنبدأ منين؟
حسن مسك إيدها وقال من الأول بس المرة دي من غيرهم.
وراهم
كان في بيت كبير
بس فاضي.
وقدامه عيال كتير
بس متأخرين.
وندمهم
جاي متأخر أوي المطر بدأ يهدى شوية بس التقل اللي في القلوب لسه زي ما هو.
أمينة ماشية جنب حسن، ساكتة، وكل شوية تبص له كأنها لسه بتحاول تفهم إزاي عرفت تعمل كل ده من غير ما حد يحس؟
حسن ابتسم ابتسامة خفيفة، فيها تعب سنين لأني طول عمري كنت شايفهم وهم مش شايفيني.
سكت لحظة، وبعدين كمل من يوم ما بدأوا يتخانقوا على الفلوس وأنا عرفت إن النهاية جاية. ساعتها نقلت كل حاجة للشركة، وخلّيت كل حاجة قانوني بس سايب لهم إدارة بس. كنت مستني يمكن يفوقوا.
أمينة دموعها نزلت تاني وما فاقوش
هز راسه لحد ما رَمَونا برّه ساعتها بس فهمت إن الدرس لازم يكون قاسي.
وراهم بشوية
الأولاد كانوا واقفين في الشارع، حوالين الشنط اللي اترمت.
الابن الكبير مسك راسه إحنا ضيّعنا كل حاجة
أخته كانت بتعيّط كنا عايشين في أمان ليه عملنا كده؟!
الصغير قعد على الرصيف بابا عمره ما كان هيعمل فينا كده لو ما كناش استاهلنا
وأصغرهم كانت ساكتة.
دموعها بتنزل، بس المرة دي مختلفة.
المرة دي ندم حقيقي.
قالت بصوت مكسور إحنا ما خسرناش البيت إحنا خسرناهم.
في العربية
الراجل اللي كان معاهم قال حضرتك كده رجّعت حقك كامل يا حاج حسن تحب نودّيك على فين؟
حسن بص لأمينة، وبعدين قال أي مكان هادي نبدأ فيه من جديد.
أمينة ابتسمت رغم دموعها طول ما
إحنا سوا أي مكان يبقى بيت.
عدّى أسبوع
الأولاد حاولوا يتواصلوا.
مكالمات رسايل حتى راحوا يدوروا عليهم.
بس حسن كان مختفي.
مش عشان
تم نسخ الرابط