جوزي كان بيضربني بقلم زيزي
أحمد فتح الشنطة وطلع جاكيت وحطه على كتفي: — "انتهى."
بصيت للسما، ودموعي نزلت، بس المرة دي مش وجع…
دي كانت بداية جديدة.
وبصوت واطي قلت: — "البيبي هيجي في دنيا أحسن من دي… أنا وهو هنبدأ من الأول."
وأول مرة من فترة طويلة…
ابتسمت.مرّ شهرين…
والحياة بدأت تاخد شكل مختلف، بس بطريقتها البطيئة.
كنت ساكنة عند أحمد مؤقتًا، في شقة هادية، مفيهاش صراخ، مفيهاش خوف، مفيهاش باب بيتفتح فجأة على كابوس.
كنت كل يوم بحاول أرجع لنفسي… واحدة واحدة.
لكن الحقيقة؟ الجرح النفسي كان أبطأ من أي جرح في الجسد.
في يوم، وأنا قاعدة على الكنبة، لقيت مكالمة جاية من رقم غريب.
رديت بحذر.
صوت محمود كان واطي، مختلف تمامًا: — "مريم… أنا عارف إنك مش هتسامحيني… بس اسمعيني دقيقة."
سكت.
كمل: — "أنا اتحبست… ومحدش واقف جنبي غير الظل بس. كلهم سابوني… حتى أمي."
قلبي اتقبض، بس ما اتكلمتش.
قال: — "أنا مش بطلب منك ترجعي… أنا بس عايزك تعرفي إني… ندمت."
ضحكت ضحكة صغيرة بس من غير فرح: — "الندم مايمسحش اللي حصل."
سكت هو كمان.
وبعدين قال بصوت مكسور: — "الطفل… كويس؟"
دي كانت
رديت: — "كويس… وربنا ستر."
قفلت المكالمة.
ومسحت الرقم.
مش لأن الوجع راح… لكن لأن الصفحة دي لازم تقفل.
قبل الولادة بأسبوع…
الدكتور قال لأحمد: — "لازم تكوني في المستشفى بدري، الحالة محتاجة متابعة دقيقة."
في الليلة دي، كنت نايمة بصعوبة.
حلمت إني في نفس المطبخ…
بس المرة دي، مفيش حد بيزعق.
كنت لوحدي، وباب الشقة مقفول كويس.
وصوت طفل صغير بيضحك من بعيد.
صحيت ودموعي على خدي… بس لأول مرة كانت دموع راحة.
يوم الولادة…
الألم كان أقوى من أي حاجة عدّت عليا.
بس أحمد كان ماسك إيدي طول الوقت: — "إنتي قوية… خليكِ معايا."
ساعة كاملة…
وبعدين صرخة صغيرة.
الدكتور ابتسم وقال: — "مبروك… بنت."
سكت لحظة.
وبعدين ضحكت وأنا بعيط: — "بنت…"
أحمد ابتسم: — "هتكون أحسن من كل اللي شافتيه."
وقربها مني.
أول ما شُلتها… الدنيا كلها سكتت.
كأن كل الألم اللي فات… كان الطريق ليها هي.
بعدها بأيام…
كنت قاعدة جنب الشباك، وبنتي نايمة على صدري.
أحمد دخل وقال: — "وصل حكم الاستئناف."
بصيت له بهدوء.
قال: — "محمود هياخد حكم نهائي…
سكتت.
مش فرح… مش انتقام.
بس إحساس غريب بالعدالة وهي بتكمل طريقها.
أحمد بص لبنتي وقال: — "هنسميها إيه؟"
سكت لحظة…
وبعدين قلت: — "نورا."
لأن بعد كل العتمة…
في ضوء صغير اتولد.
وبهدوء، قلت لنفسي:
"أنا ما اتكسرتش… أنا اتولدت من جديد."مرت سنة…
سنة كاملة من الهدوء اللي كنت فاكرة إني عمري ما هشوفه.
نورا كبرت شوية، بقت تضحك وتتحرك في حضني كأنها بتحاول تكتشف الدنيا كلها مرة واحدة. وكل ضحكة منها كانت بتلمّ أجزاء كانت متكسرة جوايا.
كنت بدأت أشتغل من البيت، أتعلم حاجة جديدة، وأبني نفسي من الصفر. أحمد كان دايمًا بيقولي: — "إنتي أقوى من اللي حصل… بس إنتي لسه مش مصدقة ده."
وفي يوم عادي جدًا…
وأنا خارجة أجيب حاجات بسيطة، قابلت “نجلاء”.
واقفة قدام سوبر ماركت، شكلها مختلف… مفيش الميكاب التقيل، ولا الضحكة اللي كانت بتتريق عليا بيها.
بصتلي في صمت.
أنا موقفتش في الأول، لكن صوتها شدني: — "مريم…"
وقفت.
قربت مني بخطوات مترددة: — "أنا… كنت عايزة أعتذر."
سكتت.
كملت وهي بتبص في الأرض: — "أنا صورتك… وضحكت… وكنت فاكرة إني بهزر.
عيوني ثبتت عليها، لكن جوايا كان في هدوء غريب، مش غضب.
قالت: — "أمي كانت السبب… وأبونا كان بيخوفنا… بس ده مش مبرر. أنا عارفة."
دمعة نزلت منها وهي بتكمل: — "محمود كان وحش… بس إحنا كنا أسوأ بسكوتنا."
سكتت لحظة طويلة.
وبعدين قلت بهدوء: — "اللي فات مايرجعش… بس اللي جاي إنتِ مسؤولة عنه."
بصتلي باستغراب: — "يعني… مش هتسامحيني؟"
قلت: — "أنا مش محتاجة أكرهك عشان أكمل حياتي."
وسبتها ومشيت.
مش لأن الألم اختفى…
لكن لأن قلبي بقى أوسع من إنه يفضل محبوس فيه.
بعد كام شهر…
أحمد دخل عليا وهو مبتسم: — "في حاجة هتفرحك."
قلت وأنا شايلة نورا: — "خير؟"
قال: — "محمود اتنقل سجن تاني… وحالته بقت أسوأ نفسيًا. ومفيش أي محاولات خروج قريب."
سكت.
مش شماتة… ولا فرحة.
بس إحساس إن النهاية أخدت شكلها الطبيعي.
في الليل…
كنت قاعدة قدام الشباك، نورا نايمة، والهواء هادي.
افتكرت نفسي زمان… الست اللي كانت بتقع ومحدش بيسندها.
وبصيت لبنتي وقلت: — "إنتي مش هتشوفي اللي أنا شوفته."
وبعدين ابتسمت: —
والحكاية اللي بدأت من ألم…
انتهت بإنسانة رجعت لنفسها.