دخلت أمي وهي شايلة شنط أختي وقالتها بملء فيها: "الأوضة دي بقت بتاعتها خلاص"
دخلت أمي وهي شايلة شنط أختي وقالتها بملء فيها: "الأوضة دي بقت بتاعتها خلاص". الجملة اللي كانت فاكراها مجرد أمر بسيط، كانت هي القشة اللي قطمت ضهر البعير، وفجرت سنين من الذل والإهانة والظلم اللي كنت ببلعه في سكات، وخلتني أنطق بأصعب وأبرد كلام قلته في حياتي.
"الأوضة دي مابقتش بتاعتك يا ياسمين.. خلاص بقت لأختك."
قالتها وهي لسه يدوب بتخطي عتبة شقتي، وكأنها صاحبة الملك. ووراها "منة" بتجر شنطتين كبار، وفي الآخر خالص كان واقف أبويا.. ساكت كالعادة، وعلى وشه النظرة اللي حفظتها؛ نظرة الشخص اللي اختار صفه خلاص، وقرر يمثل إن مفيش حاجة غلط بتحصل.
أنا بقالي تلات سنين عايشة في الشقة دي، في عمارة قديمة في حي هادي. لا هي واسعة ولا فخمة، بس كانت ملكي بالمعنى الوحيد اللي يفرق: أنا اللي دافعة تمنها. أنا اللي دفعت التأمين، وأنا اللي مضيت العقد. كل حتة عفش فيها ركبتها بإيدي بعد يوم شغل طويل، وإيدي كانت بتوجعني وأنا بحاول أفهم الكتالوجات الصعبة. أنا اللي دهنت الحيطان باللون الرمادي الهادي اللي بيريح أعصابي، وأنا اللي صنفرت مكتبة الخشب اللي في الصالة لحد ما بقت زي ما أنا عاوزة.
دي كانت أول مساحة في حياتي ميكنش لحد سلطة عليها، ولا متفصلة على مقاس حد تاني.
وعشان كدة بالظبط، هما جم ياخدوها مني.
"ماتقفيش تتفرجي كدة، ابدئي لمي حاجتك،" أمي قالتها وهي بتشاور على الممر.. "العمال اللي هينقلوا العفش مش هيستنوا."
لا استأذنت، ولا شرحت، ولا حتى بصت
قالت ببرود ومن غير ذرة أسف: "أوبس، معلش.. المكان هنا كئيب شوية، هنغير الدهانات دي. والمكتبة دي؟ شكلها وحش قوي.. هنرميها."
أبويا هز راسه بالموافقة، وكأن كل اللي بيحصل ده هو الطبيعي والمنطقي.
أكتر حاجة وجعتني ماكانتش بجاحة "منة"، ولا تدخّل أمي.. اللي وجعني بجد هو هدوءهم.
كأن ماليش صوت، كأن ماليش وجود.
أمي قالت بصوت ناعم من اللي بتستعمله لما تحب تفرض عليا حاجة: "يا ياسمين حاولي تفهمي، أختك معاها عيلين، ومحتاجة مكان واسع. إنتي لوحدك.. تقدري تقعدي في أي حتة مؤقتاً."
في "أي حتة".
كأن حياتي كلها ممكن تتحشر في شنطة واحدة. كأن كل اللي بنيته وشقيت فيه ملوش قيمة قدام راحتها هي.
وقفت عند رخامة المطبخ، وبصيت لمفاتيح شقتي وهي متعلقة على الشماعة اللي أنا ركبتها بنفسي. كوباية القهوة بتاعتي من الصبح كانت لسه مكانها. صالتي.. كنبتي.. مكتبتي.. زرعي اللي عند الشباك.
اسمي كان مكتوب على كل حاجة—
على عقد الإيجار،
على وصل النور والمية،
على اشتراك النت،
على كل مليم دفعته في وقته.
ومع كل ده، واقفين بمنتهى القوة بيحاولوا يطردوني من بيتي، ومستخبيين ورا كلمة "أهل" كأنها بتديهم الحق ينهشوا فيا.
منة كانت دخلت أوضتي فعلاً، وزعقت من جوه: "يا ماما الستائر دي وحشة قوي! قولي لها تلم حاجتها وتخلص.. ولادي
بكرة.
يعني الموضوع ماكانش حتى طلب مساعدة.. ده كان "وضع يد".
أخدت نفس طويل وهادي.
لا زعقت، ولا عيطت، ولا جادلت.
أنا بس ابتسمت.
أمي افتكرت إني استسلمت، ومنة شافت في ضحكتي هزيمة، وأبويا ماشافش أي حاجة غريبة.
مافهموش أي حاجة خالص.
لأني في اللحظة دي، عرفت حقيقة غيرت كل حاجة: بالنسبة لهم، أنا عمري ما كنت بنتهُم ولا أختهم.
أنا كنت مجرد "خطة بديلة".
مجرد وسيلة.. مساحة فاضية يقدروا يستغلوها وقت ما يحبوا.
عدلت لبسي، وبصيت لهم هما التلاتة، وقلت بصوت هادي وناعم جداً:
"شيء غريب قوي.. أصل أنا لسه مكلمة صاحب البيت الصبح."
السكوت اللي حصل بعدها كان تقيل ومفاجئ.. ولأول مرة، شوفت الخوف في عيون أمي.
لتكمله باقى القصه المشوقه اكتب تم ومننساش نذكر الله فى التعليقاتالسكوت اللي وقع في الشقة كان تقيل… كأنه حد قفل الهوا نفسه.
أمي رفعت عينيها بسرعة: “صاحب البيت؟ إنتي بتقولي إيه؟”
أنا ابتسمت نفس الابتسامة الهادية: “زي ما سمعتي… الشقة دي مش ملك حد فيكم. دي إيجار باسمي أنا… وعقدها بيقول إن أي تغيير في الإقامة لازم يكون بموافقتي.”
منة ضحكت بسخرية: “يعني هتعملي فيها قانون دلوقتي؟”
بس ضحكتها كانت متوترة.
أبويا أول مرة يبصلي بتركيز: “إنتي عايزة توصلي لإيه؟”
قربت من الترابيزة، حطيت عليها مفتاح الشقة ببطء: “أوصل إن اللي بيدخل هنا مش بيطردني منها.”
سكتت ثانية…
“أنا مش هطلع من بيتي.”
أمي فجأة عصّبت: “إنتي بتعندي؟ إحنا عيلة واحدة!”
بصتلها:
في اللحظة دي، موبايلها رن.
رقم غريب.
ردت وهي متوترة…
وبعد ثواني وشها اتغير.
صاحب البيت.
صوته كان واضح حتى من مكاني: “اللي حضرتك بتحاولي تعمليه مخالف للعقد. مفيش أي حد يقدر يدخل أو يسكن غير بإذن ياسمين.”
أمي بصتلي بصدمة: “إنتي… إنتي اتكلمتي معاه قبل كده؟”
هزيت راسي بهدوء: “من بدري… لما حسيت إن فيه حاجة غلط بتحصل.”
منة اتعصبت: “يعني إيه؟ إحنا هنفضل في الشارع عشانك؟”
رديت عليها: “مش في الشارع… في بيتكم الحقيقي.”
أبويا سكت.
المرة دي السكوت كان مختلف… مش هدوء، لأ… ده إدراك متأخر.
أمي بصت حواليها، لأول مرة مش عارفة تتحكم في الموقف: “إنتي هتعملي فينا كده؟”
قربت منها خطوة: “أنا ما عملتش فيكم حاجة… أنا بس بطّلت أسيب حقي يتاخد مني.”
في اللحظة دي…
خبط على الباب.
قوي.
مرة.
اتنين.
فتحت.
كان موظف من شركة الإدارة ومعاه ورق رسمي: “حضرتك لازم تطلعي أي شخص غير مذكور في العقد خلال ساعة واحدة… وإلا هنضطر نعمل إجراء قانوني.”
البيت كله اتجمد.
منة همست: “إحنا هنمشي؟”
أبويا بص في الأرض لأول مرة.
وأمي بصتلي كأنها شايفة حد مش فاهماه.
أنا قربت من الباب، وفتحته أكتر: “محدش طردكم… إنتوا اللي دخلتوا من غير ما تسألوا.”
سكتت لحظة.
“الفرق كبير.”
بدأوا يلمّوا حاجتهم بسرعة.
مفيش صوت عالي دلوقتي.
مفيش أوامر.
بس في حاجة واحدة واضحة… الصدمة.
قبل ما يخرجوا، أمي وقفت: “إنتي كده كسرتي البيت.”
بصتلها بهدوء: “البيت اللي
خرجوا.
والباب اتقفل.
أنا فضلت واقفة في نص الشقة.