كاش ولا فيزا؟" قالتها مرات ابني قدام الترابيزة كلها، وكأني ماكينة ATM مش بني آدمة، في عز العشا اللي ابني جرّني له وقال عليه "لمة عائلية عادية"،
كاش ولا فيزا؟
قالتها مرات ابني قدام الترابيزة كلها، وكأني ماكينة ATM مش بني آدمة، في عز العشا اللي ابني جرّني له وقال عليه لمة عائلية عادية، رغم إن 12 شخص كانوا أكلوا وشربوا بحوالي أكتر من 8 آلاف دولار قبل حتى ما يبصوا في وشي.
بس أبرد حاجة في الليلة دي ماكانتش رقم الفاتورة... ولا زجاجات الخمرة اللي كانوا بيطلبوها كأنها تلج زيادة.
أبرد حاجة... إن الترابيزة كلها سكتت في نفس اللحظة، كأن الكل عارف دوري إلا أنا.
هتدفعي كاش ولا كارت يا كارول؟
قالتها جيسيكا بابتسامة صفرا، سنانها متظبطة زيادة عن اللزوم لدرجة تخوف. جنبها كان ريانابني الوحيد اللي ربيته من عرق جبينيعامل نفسه مركز أوي في فوطة السفرة.
كنا قاعدين في أوضة VIP في مطعم فخم، النجف بينور فوقينا، وريحة الأكل المستورد مالية المكان.
12 شخص أكلوا لحمة غالية وشربوا أغلى منها، لكن أبرد حاجة ما كانتش فاتورة ب 8342 دولار... كانت السكات الخانق وهم مستنيين يتفرجوا عليا وأنا بتذل.
من 8 شهور، كان البيت اللي بنيته بعمري باسمي أنا، صك ملكية حر.
ريان وجيسيكا ضحكوا عليا، قالولي محتاجين إمضتي عشان إجراءات ورق وضرائب، واستغلوا إني أم وواثقة في ابني... وخلوني أتنازل عن البيت.
بعدها بأسابيع، رموني في أوضة صغيرة ورا الجراج، عشرة في عشرة، خرسانة بس، ومعايا ماكينة الخياطة القديمة بتاعتي.
بقوا يرمولي 200 جنيه في الشهر، صدقة، عشان أعيش في البيت اللي كان بيتي.
دلوقتي وأنا باصة على الفاتورة، فهمت الخطة كلها.
جيسيكا عارفة إن في حسابي 120 جنيه بس.
ده ماكانش
ده كان إعدام علني للتسلية.
ها يا كارول؟ قالتها وهي متضايقة. الجرسون واقف... كاش ولا فيزا؟
بصيت للفواتير.
الغريب ممكن يهينك...
لكن الأهل هما اللي يعرفوا يضربوا فين عشان الوجع يوصل للعظم.
فتحت شنطتي ببطء.
جيسيكا رجعت بضهرها وهي مبسوطة، وريان لسه مش قادر يبصلي. كل العيون عليا، مستنيين المشهد.
وأنا فعلاً عملت لهم عرض.
طلعت من الشنطة... مش محفظة.
طلعت ظرف كبير.
الحقيقة... قلت وأنا بحطه على الترابيزة، أنا جايبة ورق.
ابتسامة جيسيكا اختفت.
ريان رفع عينه لأول مرة.
ورق إيه يا أمي؟
قلت له افتح.
فتح الظرف، وبدأ يطلع مستندات مختومة وممضية.
وشه اصفر.
جيسيكا خطفت الورق.
إيه ده؟!
اتكلمت بهدوء
بلاغ نصب واحتيال. وقضية مدنية الصبح. وبعدها جنائي.
الترابيزة اتجمدت.
ريان قال بسرعة ماما، بلاش دراما.
ضحكت ضحكة صغيرة.
دراما؟ انت ضحكت عليا، قلتلي إمضي عشان الضرائب، أخدتوا بيتي، وحبستوني في أوضة زي الخدامة.
عمته شهقت.
واحدة من القرايب قالت
إنت قلت إنها هي اللي عايزة تسيب البيت!
بصيت لهم.
قال لكم كمان إنهم بيدوني 200 جنيه في الشهر أعيش بيهم؟
السكات اتغير.
ما بقاش سكات متفرجين...
بقى سكات شهود.
جيسيكا خبطت الورق على الترابيزة.
مش هتعرفي تثبتي حاجة.
قلت لها
ثبتها من زمان.
طلعت آخر حاجة من الشنطة.
جهاز تسجيل صغير.
ريان اتجمد.
8 شهور وأنا بسجل كل كلامكم... لما كنتم بتقولوا نحبسها، نبيع البيت السنة الجاية، ونستنى تموت عشان الورث يبقى أسهل.
الجرسون رجع خطوة لورا.
أبو جيسيكا قام واقف.
جيسيكا... قولي إن
ما ردتش.
زقيت الفاتورة لنص الترابيزة.
بالنسبة للعشا... هدفع تمن اللي أكلته أنا بس.
طلعت عشرين جنيه وحطيتهم جنب طبق الشوربة اللي ما لمستوش.
وبصيت لريان... ابني اللي كنت بشتغل 3 شغلانات عشان أربيه.
أنت كان عندك حق في حاجة واحدة.
صوته اتهز
ماما...
قلت
دي فعلًا عزومة عائلية عادية.
شلت شنطتي.
عشان العيلة الحقيقية... بتبان على الترابيزة.
وسبتهم ومشيت.
ورايا كانت الخناقات بدأت.
لكن الصبح...
كان هيبقى أسوأ.
لأن في ديون...
ما بتتسدش بكاش ولا فيزا.
بتتسد كامل. نزلت من المطعم وأنا راسي مرفوعة، والهوا البارد خبط في وشي كأنه بيفوقني من كابوس طويل.
أول ما ركبت التاكسي، موبايلي فضل يرن.
أحمد.
رفضت.
ندى.
رفضت.
أرقام من العيلة.
رفضت الكل.
في مرة من المرات، كنت بجري أول ما ابني يتصل، حتى لو نص الليل. لكن في الليلة دي، لأول مرة، خليته هو اللي يجري ورايا.
وصلت للأوضة اللي كانوا حابسيني فيها ورا الجراج. فتحت الباب، بصيت للمكان الضيق، السرير الحديد، الحيطان العريانة، وماكينة الخياطة القديمة.
قعدت دقيقة واحدة.
ثم فتحت الدولاب وطلعت شنطة صغيرة كنت مجهزاها من شهور.
لأني من يوم ما اتحبست هناك... كنت عارفة إن اليوم ده جاي.
حطيت هدومي، أوراقي، ماكينة الخياطة، وصورة قديمة لأحمد وهو طفل متعلق في رقبتي.
بصيت للصورة شوية... ثم سبتها على السرير.
الطفل ده مات من زمان.
قفلت الباب ومشيت.
تاني يوم الصبح، كنت قاعدة في مكتب المحامي.
راجل هادي، شعره أبيض ونظارته على طرف مناخيره، قلب في الورق وقال
مدام سهير.
قلت بهدوء
أنا مش عايزة فلوس.
رفع عينه باستغراب.
أومال عايزة إيه؟
بصيت من الشباك وقلت
عايزة يشوفوا إن الأم مش ضعيفة لمجرد إنها طيبة.
ابتسم وقال
وده هيحصل.
بعد الظهر، كنت قاعدة في كافيه صغير، بشرب شاي بلبن، لما لقيت أحمد داخل عليّا فجأة.
وشه مرهق، هدومه مبهدلة، وعينه حمرا.
وقف قدامي وقال
يا أمي... أرجوكي.
ما رديتش.
شد الكرسي وقعد.
ندى سابت البيت.
رشفت من الشاي.
مبروك.
بصلي بانكسار.
أنا غلطت.
قلت
لأ. الغلط بيتصلح. اللي أنت عملته اختيار.
دمع.
أول مرة أشوف ابني بيعيط من سنين.
سامحيني.
سكت شوية، وبعدين قلت
أنا سامحتك من زمان... عشان أرتاح أنا.
اتنفس بسرعة وقال
يعني هرجع البيت؟
ضحكت لأول مرة بصدق.
بيت إيه يا أحمد؟
سكت.
قربت منه وقلت
البيت اللي يطرد أمه... مايبقاش بيت. يبقى عقار.
قام وهو مكسور.
قبل ما يمشي، ناديت عليه.
لف بسرعة، وفي عينه أمل صغير.
قلت
لو عايز تبدأ من جديد... ابدأ بنفسك. بعيد عني.
وسبته واقف، ومشيت.
بعد ست شهور، كنت فاتحة مشغل خياطة صغير باسمي.
فوق الباب لافتة مكتوب عليها
بيت سهير للتفصيل
كل يوم ستات يدخلوا، يضحكوا، يحكوا، ويطلبوا فساتين جديدة.
وأنا كنت بخيط حياتي من أول وجديد.
وفي يوم، دخلت زبونة جديدة.
رفعت راسي...
كانت ندى.
بهدلتها الأيام.
وقفت قدامي وقالت بصوت واطي
ممكن... شغل؟
بصيت لها طويل.
ثم أشرت للكرسي.
وقلت
اقعدي... نتكلم في المرتب ندى بصتلي بعدم تصديق، كأنها مستنية إهانة أو
يمكن أول مرة في حياتها تدخل مكان وهي الطرف الأضعف.
شدّت الكرسي وقعدت على طرفه، ماسكة شنطة قديمة، ومطأطية راسها.
قلت بهدوء
عايزة شغل في إيه؟
قالت بصوت