كاش ولا فيزا؟" قالتها مرات ابني قدام الترابيزة كلها، وكأني ماكينة ATM مش بني آدمة، في عز العشا اللي ابني جرّني له وقال عليه "لمة عائلية عادية"،
مكسور
أي حاجة... تنظيف، ترتيب، حسابات... أي حاجة.
بصيت لها كويس.
فين الست اللي كانت داخلة المطاعم بفستان بعشرين ألف؟
فين اللي كانت بتبصلي من فوق لتحت وكأني خدامة؟
الأيام لما بتلف... بتلف كامل.
قلت
وأحمد عامل إيه؟
دموعها نزلت فورًا.
اتحبس.
سكتُّ.
قالت وهي بتحاول تلم نفسها
كان عليه ديون... وبعد قضية البيت الناس طالبت بحقوق قديمة، وشركاؤه رفعوا عليه قضايا... وأنا...
وإنتي؟
الكل سابني.
هزّيت راسي ببطء.
الإيد اللي بتتعالى على الناس... وقت الوقعة محدش بيمسكها.
فضلت ساكتة شوية، وبعدين قالت
أنا عارفة إني ظلمتك.
ما رديتش.
وعارفة إن مفيش كلام هيصلح اللي حصل.
لسه ساكتة.
بس أنا محتاجة فرصة.
قومت من مكاني، ومشيت ناحية الشباك.
الشارع بره كان زحمة، ناس رايحة وناس جاية، وكل واحد شايل همه.
لفيت وبصيتلها.
أنا ممكن أشغلك.
رفعت راسها بسرعة، وعينيها لمعت.
كملت
لكن مش عشان خاطرك.
اللمعة طفت.
عشان أنا مش شبهك.
سكتت.
قلت
الشغل هنا له قواعد. احترام، تعب،
هزت راسها بسرعة.
موافقة.
والمرتب أول شهر قليل، لحد ما أشوف شغلك.
موافقة.
ولو غلطتي... الباب مفتوح.
موافقة.
أشرت للبنات اللي جوه الورشة.
ابدئي مع أم مصطفى، هتعلمك.
قامت وهي شبه منهارة من الراحة.
قبل ما تدخل، وقفت وقالت
ليه بتعملي فيا كده بعد كل اللي عملته؟
بصيت لها وقلت
عشان في ناس بتنتقم لما تقوى... وفي ناس بتتعافى.
نزلت راسها ودخلت.
بعد شهرين، ندى اتغيرت.
بقت تيجي بدري، تشتغل في هدوء، تساعد البنات، وتتعلم بسرعة.
الكِبر اللي كان ماليها اتكسر.
وفي يوم، وأنا قاعدة على ماكينة الخياطة، الباب اتفتح.
رفعت عيني.
كان أحمد.
أضعف، أنحف، وشعره فيه شيب زيادة.
واقف على الباب، متردد.
البنات بصوا عليه.
قلت لهم
كملوا شغل.
قرب ناحيتي وقال بصوت واطي
ينفع أتكلم معاكي؟
قلت
على حسب... هتتكلم كابني، ولا كالغريب اللي أعرفه؟أحمد بلع ريقه، وبص في الأرض شوية، ثم قال
كابنك... لو لسه ليا مكان.
قلبي وجعني، لكن وشي
أشرت له على كرسي قدامي.
اقعد.
قعد وهو متوتر، ماسك إيديه في بعض كأنه خايف الدنيا تقع تاني.
قلت
اتفضل. عندك دقيقتين.
ابتسم ابتسامة حزينة.
لسه زي ما انتي... واضحة.
ما رديتش.
قال بعد لحظة
أنا خرجت من أسبوع.
هزيت راسي من غير كلام.
مفيش حد استناني.
بصيتله.
وده جديد عليك؟
اتنهد.
لأ.
سكت شوية، وبعدين قال
أنا خسرت كل حاجة يا أمي.
قلت بهدوء
لأ... إنت بعت كل حاجة.
اتوجع من الكلمة، وبان في عينه.
أنا كل يوم في الحبس كنت بفكر فيكي... في الأوضة اللي ورا الجراج... في كل مرة سكتّ وأنا شايف ظلمهم ليكي.
قلت
وظلمك إنت.
رفع عينه.
أنا ظلمت نفسي أكتر.
لأول مرة حسيت إنه فهم.
طلع من جيبه ظرف صغير، وحطه قدامي.
إيه ده؟
أول مرتب من شغل جديد اشتغلته. مش كبير... بس حقك.
ما لمستوش.
حقي مش فلوس.
دموعه لمعت.
عارف.
سكتنا لحظة، صوت ماكينات الخياطة مالي المكان.
ثم قلت
أنت جاي ليه يا أحمد؟
رد بصراحة
جاي أطلب فرصة... مش في البيت، ولا في الفلوس.
أومال؟
فرصة
الكلام ضربني في حتة جوه قلبي.
بصيت له طويل.
لقيت الراجل المكسور قدامي... ودورت على الطفل اللي كنت أعرفه.
قلت
التغيير مش كلمة. التغيير أيام طويلة، وسكوت، وشغل، وصبر.
هز راسه بسرعة.
مستعد.
أشرت ناحية المخزن.
في شحنة قماش جاية آخر النهار. هتنزلها، وترتبها، وتشتغل زي أي عامل هنا.
بصلي بدهشة.
يعني... هتقبليني؟
قلت بحدة خفيفة
ما تفهمش غلط. أنا بديك شغل... القبول ده حاجة تانية.
نزلت دمعة من عينه.
يكفيني.
بعد شهور، أحمد بقى أول واحد ييجي وآخر واحد يمشي.
يشيل، ينضف، يحاسب الموردين، ويسكت.
ما طلبش مني كلمة حلوة.
ما نادانيش يا أمي إلا قليل.
كأنه عارف إن بعض الألقاب لازم تتصلح بالأفعال.
وفي يوم، وأنا بقفل الورشة، لقيته حاطط كيس صغير على المكتب.
فتحته.
لقيت صورة قديمة.
أنا وهو طفل، متعلق في رقبتي... نفس الصورة اللي سبتها زمان.
رفعت عيني له.
قال
رجعت أخدتها من الأوضة... لأنها مكانها هنا.
بصيت للصورة، وبعدين له.
وقلت
تعالى يا أحمد... هنروح سوا.
اتجمد مكانه.
فين؟
ابتسمت.
البيت.
سألني بخوف
أي بيت؟
قلت وأنا بمشي ناحية الباب
البيت اللي لسه بنبنيه.