حصل زوجي السابق على الحضانة الكاملة لتوأمينا، ومنعني من رؤيتهما لعامين كاملين
ولأول مرة منذ عامين
بكى مرتضى أمامي.
ووووووو
إذا حابين أكمل الجزء اللي بعده لما اكتشفوا مكان الطفلتين الحقيقيتين، والصدمة الأكبر اللي كانت تنتظر زهراء جلس مرتضى يضرب كفًا بكف، وعيناه معلقتان بالأرض، كأن كل ما بناه من كذبٍ وسلطة انهار في ثانية واحدة.
أما أنا فلم أكن أفكر فيه أصلًا.
كنت أسمع جملة واحدة فقط تتردد في رأسي
أين طفلتاي الحقيقيتان؟
رفعت رأسي نحو الدكتورة مريم، وقلت بصوت مرتجف
أريد الحقيقة كاملة الآن.
تنهدت الطبيبة، ثم فتحت الملف أمامها وقالت
راجعنا سجلات الولادة القديمة بسرعة، وهناك خطأ موثّق حدث في تلك الليلة قبل عشر سنوات انقطاع كهربائي، فوضى في قسم الحضانة، وتبديل أساور تعريف الأطفال بين حالتين.
شهقت.
ومن الحالة الأخرى؟
نظرت الطبيبة إلى الورقة، ثم قالت
امرأة تُدعى هناء جابر.
الاسم لم أعرفه.
لكن مرتضى رفع رأسه فجأة، واصفرّ وجهه أكثر.
همس
هناء؟
التفتُّ إليه بحدة.
تعرفها؟
ابتلع ريقه وقال بصوت مخنوق
كانت زوجتي الأولى.
ساد صمت ثقيل.
ثم فهمت.
صرخت دون وعي
يعني ماذا؟!
قالت الطبيبة
يعني أن هناك احتمالًا كبيرًا أن الطفلتين اللتين ربيتهما معكِ طوال ثماني سنوات هما ابنتا هناء. وأن طفلتَيكِ الحقيقيتين ذهبتا معها منذ يوم الولادة.
شعرت أن الهواء اختفى من الغرفة.
مرتضى دفن وجهه بين كفيه.
أما
زوجتك الأولى؟! ولماذا لم تخبرني أنك كنت متزوجًا أصلًا؟
لم يرد.
لكن الطبيبة أجابت بعد مراجعة الأوراق
بحسب السجلات، كانت هناء قد وضعت توأمًا في الليلة نفسها وغادرت المستشفى بعد يومين. ثم سافرت خارج العراق بعد أشهر.
قلت بسرعة
أين هي الآن؟
ردت
في أربيل ولدينا عنوان قديم فقط.
نهضت فورًا.
سأذهب إليها.
قالت الطبيبة
انتظري، هناك ما يجب أن تعرفيه أولًا.
نظرت إليها، وقلبي يرتجف.
قالت ببطء
هناء توفيت قبل ثلاث سنوات.
تراجعت خطوة، وأسندت ظهري للحائط.
توفيت؟
أومأت برأسها.
لكن لدينا معلومات أن التوأم اللتين ربّتهما بقيتا مع شقيقها.
سألتها وأنا أبكي
أسماؤهما؟
نظرت في الملف، ثم قالت
ليان ولمى.
الاسمان ضربا شيئًا غريبًا بداخلي.
لا أعرفهما لكن قلبي عرفهما فورًا.
قلت بحسم
خذوني إليهما.
في اليوم التالي، وصلت إلى بيت قديم في أطراف أربيل.
طرقت الباب ويدي ترتجف.
فتح رجل خمسيني، ملامحه متعبة.
قلت
أنا زهراء وأبحث عن ليان ولمى.
نظر إليّ طويلًا ثم دمعت عيناه.
وقال
كنت أعلم أن هذا اليوم سيأتي.
ثم ابتعد عن الباب.
وفي آخر الممر
ظهرت فتاتان في العاشرة من العمر.
إحداهما تحمل نفس عينيّ.
والأخرى نفس ابتسامة أمي.
توقّف الزمن.
همست دون شعور
بناتي
نظرتا إليّ باستغراب.
ثم قالت إحداهما
خال من هذه السيدة؟
فبكى الرجل
هذه أمكما الحقيقية.
ووووووو
إذا حابين أكمل الجزء الأخير لحظة مواجهة سارة وربى بعد معرفة الحقيقة، والقرار الصادم الذي اتخذته زهراء تجمدت الفتاتان مكانهما، وحدقتا بي وكأنهما لا تفهمان معنى الكلمات التي سمعَتاها.
أما أنا فلم أستطع التماسك أكثر.
ركضت نحوهما، ثم توقفت قبل أن ألمسهما، خفت أن أخيفهما خفت أن أبدو غريبة، وأنا فعلًا غريبة عنهما.
قلت والدموع تخنق صوتي
أنا آسفة آسفة لأنني تأخرت عشر سنوات.
ليان كانت الأجرأ، تقدمت خطوة وسألت
إذا كنتِ أمي لماذا تركتِنا؟
السؤال شق قلبي نصفين.
جثوت على ركبتي أمامهما وقلت
لم أترككما يومًا لقد سُرقتما مني.
بكى خالهما بصمت، ثم بدأ يشرح لهما ما حدث منذ الولادة، وكيف اكتُشف تبديل الأطفال، وكيف جاءت التحاليل بالحقيقة التي لم يتوقعها أحد.
لمى اقتربت ببطء، ثم لمست وجهي بأصابع صغيرة مرتجفة.
أنتِ تشبهينني
ضحكت وسط دموعي.
وأنتِ تشبهين قلبي.
ثم ارتمت في حضني فجأة، فلحقت بها ليان بعد ثوانٍ.
في تلك اللحظة عاد إليّ شيء كنت أظنه مات إلى الأبد.
الأمومة.
لكن بقي الجزء الأصعب.
كان عليّ أن أعود إلى بغداد إلى سارة وربى.
الطفلتان اللتان حملتهما في رحمي، وربّيتهما ثماني سنوات، وبكيت عليهما عامين كاملين حتى لو لم تكونا من دمي، فقد كانتا من روحي.
دخلت غرفة سارة في المستشفى.
كانت شاحبة، ضعيفة، لكن حين رأتني اتسعت عيناها.
همست
ماما؟
انهرت فورًا.
أمسكت يدها وقبلتها عشرات المرات.
نعم يا روحي أنا هنا.
ربى كانت تقف عند الباب، مرتبكة وخائفة.
قالت
بابا قال إنكِ لن تعودي.
نظرت إلى مرتضى، الذي كان واقفًا في الزاوية محطمًا، ثم عدت إليها.
أحيانًا الكبار يخطئون لكنني لم أتوقف يومًا عن حبكما.
بكت ربى وارتمت عليّ.
واجتمعنا أربعًا نبكي، كأن السنوات الضائعة تخرج من صدورنا دفعة واحدة.
بعد أيام، اجتمع الأطباء.
اتضح أن ليان، ابنتي البيولوجية، هي المطابقة الأنسب للتبرع بالنخاع لسارة.
وقفت ليان الصغيرة بشجاعة وقالت
إذا كانت أختي مريضة سأساعدها.
نظر الجميع إليها بدهشة.
أما أنا ففهمت وقتها أن الدم لا يكذب وأن الرحمة أيضًا لا تكذب.
تمت العملية بنجاح.
وتحسنت سارة تدريجيًا.
أما مرتضى
فتم فتح تحقيق رسمي في التزوير الذي استخدمه لسلب الحضانة، وفي شهاداته الكاذبة بالمحكمة.
خسر سمعته، وخسر القضية، وخسر كل شيء.
وفي جلسة الحكم الأخيرة، وقف أمامي وقال بصوت مكسور
سامحيني.
نظرت إليه طويلًا، ثم قلت
أسامحك لأرتاح أنا لكنني لن أنسى.
أما قراري الصادم
فقد رفضت أن أفرّق بين البنات الأربع.
استأجرت بيتًا كبيرًا، ونقلت ليان ولمى إلى بغداد، وضممت سارة وربى إليهما.
وقال لي القاضي
تقصدين أنكِ ستربين أطفالًا
ابتسمت وقلت
بل كلهم أبنائي.
واليوم
يناديني أربع أصوات كل صباح
ماما!
ولا أسأل أيّهن خرجت من رحمي
لأن جميعهن خرجن من قلبي.