حبيبـي إيه رأيـك نروح لمامتـك النهـاردة بـدري شوية؟ قالتها منـى
مهما كان، إنتِ اللي ربيتيني. وده عمره ما هيتشال.
الحاجة هدى انهارت من البكاء.
يعني سامحتني؟
قال بهدوء
سامحتك لكن من النهاردة، مفيش كذب تاني. ولا تحكم. ولا إهانة لمراتي. اللي بينا يبدأ من جديد بالصدق.
منى قربت منها ومدتلها كوباية مية.
وقالت بابتسامة خفيفة
وهنزورك بس من غير تمثيل مرض، ومن غير مجانية خدمة. اللي يتعمل يتعمل بحب.
الحاجة هدى ضحكت وسط دموعها لأول مرة بصدق.
وفي اليوم ده اتولدت عيلة جديدة. مش كاملة، لكن صادقة مرّت الشهور بعدها بهدوء غريب هدوء الناس اللي اتكسروا واتعلموا يمشوا على مهَل.
الحاجة هدى بقت تزورهم مرة كل أسبوع، تيجي شايلة صينية رز بلبن أو طبق كوسة محشي، وتخبط الباب بخجل، مش بصوت الأوامر القديم.
منى كانت بتعاملها باحترام، لكن بحذر. الجرح خفّ إنما أثره لسه موجود.
أما أحمد، فكان كل يوم يصحى على سؤال واحد
أنا مين؟
مين الست اللي خلفته؟ ليه ماتت؟ ليه أبوه أخفى الحقيقة؟ وهل كان في ناس تانية عارفة؟
وفي ليلة، وهو بيقلّب في الأوراق القديمة، لقى جواب صغير مطوي جوه ظرف أصفر، بخط أبوه.
مكتوب عليه يتفتح لما أحمد يعرف الحقيقة.
إيده ارتعشت وهو بيفتحه.
قرأ بصوت مبحوح
يا ابني لو بتقرأ الرسالة دي، يبقى السر انكشف. سامحني. أمك اسمها نادية، وكانت أطيب ست شفتها في حياتي. ماتت بعد
وقف أحمد عند آخر سطر، والدموع نزلت من غير صوت.
منى أخدت الجواب من إيده، قرأته، وبصت له بحنان.
أبوك كان عارف إنها ممكن تغلط لكنه كان عارف كمان إنها حبتك.
في اليوم التالي، راح أحمد للحاجة هدى. كانت قاعدة لوحدها، بتصلح زرار في جلابية قديمة.
قعد قدامها وقال
قوليلي عن أمي نادية.
الحاجة هدى رفعت عينيها بصدمة، ثم ابتسمت بحزن.
كانت جميلة قوي وكانت بتحب تغني وإنت نايم. كنت كل ما تبكي، أول ما تسمع صوتها تسكت.
فضلت تحكي ساعات عن ضحكتها، عن خوفها وقت الولادة، عن حبها لطفلها.
وأحمد كان بيسمع، لأول مرة، قصة بدايته الحقيقية.
بعدها بأسابيع، أخد أحمد منى وهدى وراحوا المقابر. وقف قدام شاهد قبر قديم مكتوب عليه نادية حسن عبد الرحيم.
قرأ الفاتحة، ثم بص للحاجة هدى.
قال بهدوء
دي أمي اللي ولدتني وإنتِ أمي اللي ربتني. وأنا محتاج الاتنين عشان أبقى أنا.
الحاجة هدى شهقت وبكت بحرقة
وفي طريق الرجوع، منى كانت ساكتة وبتبتسم.
أحمد سألها
مالك؟
قالت وهي تحط إيده على بطنها
أصل
أحمد وقف العربية فجأة من الصدمة
إيه؟! حامل؟!
ضحكت منى لأول مرة من قلبها من شهور
أيوه بس لو جدته هتربيه بالتمثيل، نرجعه المستشفى من دلوقتي.
الحاجة هدى ضربتها على كتفها بخفة وقالت وسط الضحك والدموع
لا يا بنتي المرة دي هربيه بالحب وبس.
وفي اللحظة دي حس أحمد إن الدائرة أخيرًا اتقفلت.
وإن العيلة، مهما اتعقدت حكايتها ممكن تبدأ من جديد مرت شهور الحمل، والبيت اتغيّر تمامًا.
الحاجة هدى بقت أول واحدة تصحى الصبح، تيجي بدري تساعد منى، لكن كل مرة كانت تقف عند باب المطبخ وتقول
أدخل؟ ولا أستنى إذنك؟
منى كانت تبتسم وترد
ادخلي يا طنط أصل الجدة ليها تصريح دائم.
الكلمة دي كانت بتفرّح الحاجة هدى أكتر من أي حاجة. الجدة.
مكان جديد من غير صراع، من غير تملك، من غير خوف.
أحمد كان بيتابع المشهد من بعيد، وكل يوم يحس إن البيت بيتعالج حتة حتة.
وفي ليلة شتوية، صحيت منى على ألم شديد.
المستشفى اتقلبت حركة، وأحمد تايه بين الأوراق والدكاترة، والحاجة هدى ماسكة إيد منى وبتقرأ آيات بهدوء.
بعد ساعات طويلة، خرج الدكتور مبتسم
مبروك جالكوا بنت زي القمر.
أحمد جري أول واحد، لكن الممرضة قالت
استنى، الجدة وقعت من الفرحة.
لفّوا بسرعة، لقوا الحاجة هدى قاعدة على الكرسي، بتضحك وبتعيط في نفس الوقت.
أنا كويسة أنا بس قلبي مش مستوعب.
لما شالت الطفلة أول مرة، فضلت تبصلها طويل، وبعدين قالت بصوت مبحوح
شبه نادية نفس العينين.
أحمد سكت، ثم ابتسم.
يمكن لأول مرة ذكر اسم أمه الحقيقية ماكانش وجع كان امتداد.
سألته منى وهي مرهقة على السرير
هنسميها إيه؟
بص لأمه ثم لمراته ثم للبنت الصغيرة.
وقال
اسمها أماني.
عشان جات بعد سنين من الخوف وجابت الأمان.
الحاجة هدى الطفلة وقالت
وأنا أوعدكم، عمري ما هورثها وجعنا.
مرت السنوات
أماني كبرت وهي فاكرة إن الجدة دي أحن حد في الدنيا، بتعمل أحلى بسكوت، وتحكي أجمل حواديت، وتضحك بصوت عالي يملأ البيت.
وفي يوم، كانت منى بتراقبهم من بعيد، وقالت لأحمد
تصدق؟ لو حد شافها دلوقتي، مستحيل يصدق إنها نفس الست.
أحمد رد بهدوء
بعض الناس بيتغيروا لما يحسوا إنهم اتحبوا من غير خوف.
وبعد فترة قصيرة، الحاجة هدى مرضت فعلًا المرة دي بجد.
لكن الفرق كبير.
ماكانش في تمثيل، ولا وحدة، ولا باب مقفول.
كانت في أوضة دافية، حواليها ابنها، ومراته، وحفيدتها اللي نايمة
قبل ما تغمض عينيها للمرة الأخيرة، بصت لأحمد وقالت
شكراً إنك ادتني فرصة أبقى أم بجد قبل ما أمشي.
ومسكت إيد منى
وإنتِ سامحتيني، فربنا سامحني.
ثم نامت في هدوء.
بعد سنين، لما أماني كبرت وسألت
بابا،
جدتي كانت عاملة إيه في حياتها؟
ابتسم أحمد وقال
غلطت كتير لكن اتعلمت. وده أندر من الصح من أول مرة.
وكانت دي الحقيقة الكاملة.