حماتي قالتلي إن الوقت جه إني أمشي من البيت… فمشيت بهدوء. بعد أسبوع،

لمحة نيوز


حماتي قالت وهي شبه بتعيط:
"هتمشينا؟ علشانها؟!"
رد:
"لأ. علشان نفسكم. علشان نسيتوا إن اللي وقف جنبكم طول السنة دي كانت مريم... مش إنتوا."
وقفل المكالمة.
الأوضة سكتت.
بصلي لأول مرة من ساعة ما دخلت، وقال:
"أنا آسف إني اتأخرت أشوف."
دموعي نزلت من غير ما أحس.
قلت:
"وأنا آسفة إني استحملت وسكت."
قرب مني، ومسكني من إيدي وقال:
"من النهارده... محدش هيخرجك من بيتك تاني."
بعد أسبوع... حماتي هي اللي كلمتني.
صوتها كان مكسور:
"الإيجار في المنطقة غالي... ممكن نرجع؟"
كنت مستنية المكالمة دي.
بصيت لكريم، وهو قاعد جنبي، وابتسمت.
وخدت نفس هادي، وقلت:
"هتفهمي بعدين."
وقفلت الخط.بعد ما قفلت الخط، فضلت ماسكة الموبايل ثواني.
مش علشان أشمت... لكن علشان أستوعب إن نفس الست اللي ادتني ساعة أمشي، بقت بتطلب ترجع.
كريم بصلي وقال:
"لو عايزة نساعدهم... نساعدهم بشروط."
هزيت راسي وقلت:
"المساعدة شيء... والرجوع زي الأول شيء تاني."
في نفس الليلة، هو كلم أمه وحدد يقابلها في كافيه عام. وأنا رحت معاه، لكن قعدت على ترابيزة بعيدة. كنت عايزة أسمع... مش أتكلم.
دخلت حماتي ومعاها سارة. أول مرة أشوفهم من غير ثقة البيت. ملامحهم متوترة،

ونظراتهم بتلف في المكان.
قعدوا قدام كريم.
قالت حماتي بسرعة:
"إحنا أهل... واللي حصل سوء تفاهم."
كريم رد بهدوء:
"السوء تفاهم مايبقاش طرد."
سارة اتكلمت بعصبية:
"هي كبرت الموضوع!"
وقبل ما كريم يرد، قمت أنا وروحت ناحيتهم.
بصيت لسارة وقلت:
"أنا ماكبرتش حاجة. إنتِ رميتي هدومي في الجنينة."
وسكتت فورًا.
بصيت لحماتي وقلت:
"وأنتِ اديتيني ساعة أمشي من بيت أنا كنت بصرف عليه."
حماتي نزلت عينها لأول مرة.
قالت بصوت أوطى:
"أنا كنت متضايقة بعد وفاة أبو كريم... والبيت كان مخنوق."
قلت:
"الوجع مفهوم. الظلم مش مفهوم."
فضل الصمت ثواني.
بعدها كريم قال بوضوح:
"قدامكم اختيارين. يا إما نساعدكم في إيجار مكان جديد لمدة 6 شهور، يا إما تقطعوا العلاقة تمامًا. لكن الرجوع للبيت ده... انتهى."
سارة شهقت:
"يعني اخترتها علينا!"
رد كريم:
"أنا اخترت الصح."
حماتي بدأت تعيط. مش عياط تمثيل المرة دي... عياط خسارة.
قالتلي وهي باصة ليا:
"مريم... سامحيني."
بصيتلها طويلًا.
وقلت:
"المسامحة ممكنة. النسيان لا."
وافقوا على المساعدة، ومشوا.
بعد شهور، حياتنا هديت. أنا وكريم رجعنا لشقتنا القديمة، رممناها، وغيرنا عفشها، وبدأنا من جديد.
وفي يوم
وأنا برتب درج المطبخ، لقيت المج اللي كنت سيباه عندهم... نفس المج اللي جابهولي كريم في عيد ميلادي.
استغربت ورفعته.
كان حاطط جواه مفتاح جديد، ومعاه ورقة صغيرة مكتوب فيها:
"البيت ده باسمنا إحنا الاتنين."
بصيتله وأنا بضحك وبعيط في نفس الوقت.
قال:
"المرة دي... محدش يقدر يخرجك."حضنت المفتاح في إيدي، وبصيت لكريم وأنا مش عارفة أتكلم.
طول عمري كنت بربط البيت بالأمان... ولما الأمان اتكسر، افتكرت إن أي بيت بعده هيبقى مجرد حيطة وسقف.
لكن الورقة اللي في إيدي كانت بتقول حاجة تانية:
إن البيت الحقيقي هو الشخص اللي بيختارك، ويحافظ عليك، ويصلّح غلطه.
قلت له وأنا بامسح دموعي:
"إنت عملت ده إمتى؟"
ابتسم وقال:
"من يوم ما خرجتي بشنطتك. عرفت إن لازم نبدأ صح، مش نرجع لنفس الغلط."
بدأنا ننقل حاجتنا بالتدريج. الشقة كانت أصغر من بيت أهله، لكن أول مرة أحس إنها أوسع.
كل ركن فيها معمول لينا إحنا.
مفيش حد بيفرض وجوده.
مفيش حد بيحسب اللقمة أو النفس.
بعد أسبوعين، جرس الباب رن.
فتحت... لقيت حماتي واقفة لوحدها.
من غير مكياج، من غير صوت عالي، ومن غير سارة. كانت شايلة صينية مغطاة بفوطة مطبخ قديمة.
قالت بتردد:
"عملتلكم محشي..
. لو ينفع أدخل خمس دقايق."
بصيت لها ثواني. الماضي كله عدى قدامي. الساعة اللي ادتهالي أمشي فيها. هدومي في الجنينة. السكوت. القهر.
لكن كمان شفت حاجة جديدة... الانكسار.
سيبت الباب مفتوح وقلت:
"اتفضلي."
دخلت ببطء، كأنها أول مرة تدخل بيت مش بيتها.
قعدت على طرف الكنبة، وحطت الصينية على الترابيزة. بصت حوالين المكان، وقالت:
"صغير... بس دافي."
قلت بهدوء:
"علشان محدش فيه بيطرد حد."
عينها دمعت فورًا.
قالت:
"أنا خسرت كتير يا مريم. جوزي... بيتي... وابني كان هيضيع مني."
رديت:
"وأنا خسرت كرامتي فترة."
هزت راسها وقالت:
"عارفة."
طلعَت من شنطتها ظرف صغير، ومدتهولي.
فتحته... لقيت فيه مبلغ فلوس، ومعاه ورقة مكتوب فيها:
"ده جزء من اللي صرفتيه على البيت زمان. والباقي هسدده."
بصيت لها مصدومة.
قالت:
"أول مرة أكون مدينة لحد... وأعترف."
رجع كريم من الشغل في اللحظة دي، ووقف عند الباب متفاجئ.
بص لأمه، ثم ليا.
قلت له بهدوء:
"أمك جابت محشي... واعتذار."
ابتسم رغم توتره، وقعد جنبنا.
لأول مرة... قعدنا على ترابيزة واحدة من غير حرب.
يمكن الجرح ما اختفاش.
يمكن الثقة ما رجعتش كاملة.
لكن في حاجات بتتصلح... لما كل واحد يعرف حجمه
الحقيقي.
وفي آخر الليلة، وهي ماشية، بصتلي وقالت:
"الوقت جه أمشي."
ابتسمت، وفتحتلها الباب، وقلت:
"المرة دي... براحتك."

تم نسخ الرابط