الباب اللي اتقفل في الليلة اللي ابني قالّي فيها إن مافيش ليّا مكان في بيته
الباب اللي اتقفل
في الليلة اللي ابني قالّي فيها إن مافيش ليّا مكان في بيته، كنت واقفة قدّام بابه بشنطة صغيرة، وكيس من الصيدلية فيه مسكنات، ووجع عميق بيقطع في مفصل وركي اليمين.
كانت ليلة نوفمبر ساقعة في شيكاغو. مطر خفيف بيخلي الشوارع تلمع، ومعاه ريحة الإسفلت المبلول والعادم والتراب المبتل. الكمباوند الفخم اللي عايش فيه ابني إياد مع مراته كارما كان شكله مثاليشجر متقصوص بعناية، إنارة دافية، وعربيتين فخمين واقفين جوه البوابة الحديد. مكان بيصرّخ بالرفاهية وبس كمان بيهمس بغرور ساكت.
وصلت حوالي الساعة 8 بالليل، وكنت متكأة على عكازي.
قبلها بساعات كنت اتزحلقت على سلالم بيتي. الدكتور قالّي مفيش كسور، بس لازم راحة كاملة أسبوع على الأقلمفيش سلالم، مفيش مجهود. الأسانسير في العمارة عندي بيشتغل على مزاجه، وأقرب جار أثق فيه كان مسافر.
اتصلت ب إياد مرتين قبل ما أروحله. ما ردّش.
ومع كده، كنت فاكرةبغباء شويةإن أول ما يشوفني واقفة قدامه، تعبانة ومش قادرة أقف، هيقول اتفضلي يا ماما ادخلي.
ماكنتش طالبة كتير. ماكنتش عايزة أعيش معاه. كنت محتاجة أسبوع بس.
خبطت الجرس.
الاستنا كان أطول من الطبيعي.
لما الباب اتفتح أخيرًا، إياد كان واقف قدامي بتيشيرت رمادي وبنطلون غامق، وشه باين عليه الضيقكأني قطعت عليه حاجة أهم.
ورا منه، في المطبخ النضيف جدًا، كارما كانت واقفة عند الرخام
كأنهم كانوا مستنيني وقرروا رد الفعل مسبقًا.
ماما، إياد قالها وهو بيبص على الشنطة. إنتي جاية ليه؟
حاولت أكلمك، قولت وانا بحاول أثبت صوتي. وقعت النهارده، والدكتور قال ماينفعش أكون لوحدي. محتاجة أسبوع بس يا إياد أبات في أوضة الضيوف ومش هاعطلكم.
اتنهدمش قلقان، بس متضايق.
ومن على السلم، حفيدتي ليلى بطقم نوم وردي، كانت بتبص من بين الدرابزين، عينيها مليانة خوف.
مش وقت مناسب، إياد قالها ببرود.
وساعتها الجملة نزلت.
مش صرخة. مش انفعال.
أبشع كانت هادية.
إحنا مش جمعية خيرية يا ماما. مفيش مكان ليكي هنا.
ماحسّيتهاش قلم.
حسّيتها فراغ.
ليلى نزلت كام درجة. بابا تيتة تعبانة.
إياد ما بصّش لها حتى. اطلعي فوق يا ليلى.
ومن المطبخ، كارما اتكلمت أخيرًاصوت حاد ومستفز اعملي اللي أبوكي بيقوله.
محدش عرض عليّا أقعد. محدش عرض ميه. محدش حتى حاول يدور على حل.
بلعت الوجعالاتنين مع بعضوشلت الشنطة ولفيت.
وقبل ما أوصل تاكسي، الباب كان اتقفل ورايا.
وفي العربية، وأنا ماشية، دموعي ما نزلتش.
اتجمدت.
لأن في اللحظة دي حاجة جوايا اتغيرت.
تغيير نهائي.
إياد وكارما ماكنوش عارفين وإحنا بنرجع نعيش حياتنا العادية ونشرب نبيذنا في بيتنا المثالي
إن الست اللي طردوها من الباب ده هي نفس الشخص اللي شايل كل حاجة واقفة عليها حياتهم.
وفي نفس الليلة
كنت هارجّع كل حاجة ليّا تاني.
اكتب YES لو عايز تكملة الجزء الثاني اللحظة اللي اتقلب فيها كل حاجة
رجعت الشقة وأنا مش حاسة برجليا.
مش من الوجع بس من الإهانة.
في كل خطوة كنت بسأل نفسي إزاي ابني يبقى كده؟ وإمتى سمحتله يوصل للدرجة دي؟
دخلت أوضتي، قعدت على طرف السرير، وبصيت على إيدي اللي بتترعش.
وبهدوء غريب فتحّت التليفون.
مش عشان أعيط. ولا عشان أعاتب.
عشان أشتغل.
أول مكالمة كانت لمكتب البنك.
مساء الخير عايزة أجمّد كل البطاقات المرتبطة بحساب إياد الشافعي.
الصوت على الناحية التانية سكت لحظة.
حضرتك متأكدة يا مدام؟ الحسابات دي فيها تحويلات شهرية كبيرة جدًا
متأكدة.
قفلت.
المكالمة اللي بعدها كانت لشركة الاستثمار.
أي صلاحية مالية باسم إياد تتوقف فورًا.
وبعدها مكالمات تانية.
حسابات. استثمارات. بطاقات. تسهيلات.
كل حاجة كنت أنا اللي عاملاها باسمي، وهو مايعرفش أصلاً إنها مربوطة بيا.
كل حاجة كان عايش عليها من غير ما يسأل.
وقعدت.
استنيت.
مش كتير.
في خلال ساعة واحدة التليفون انفجر رنّ.
إياد.
مرة. اتنين. عشرة.
سابته يرن.
وبعدها وصلت الرسالة.
إيه اللي إنتي عملتيه؟ حساباتي كلها اتقفلت!
ما ردّتش.
بعدها بدقايق
إنتي بتهزري؟ في صفقات بكرة الصبح! كارما هتتجنن!
وهنا ابتسمت أول ابتسامة من وقت ما وقعت على سلالم بيتي.
اتصل تاني.
وردّيت.
أيوه يا إياد.
صوته كان
سكت لحظة.
عملت اللي إنت علّمتهولي يا ابني
إيه الكلام ده؟!
إن مفيش مكان ليا عندك يبقى مفيش داعي أسيب مكاني ليك.
الصمت كان تقيل على الطرف التاني.
وبعدين صوته نزل إنتي مش فاهمة إنتي بوظتي إيه الصفقة دي هتضيع علينا كل حاجة!
ضحكت بهدوء غريبة أنا كنت فاكرة إن مفيش مكان ليا في حياتكم.
سكت.
أول مرة ما يلاقيش رد.
وقبل ما أقفل، قلتها ببرود
لما تتعلموا يعني إيه احترام نبقى نتكلم.
وقفلت.
بعدها بساعة
سمعت صوت عربيته تحت البيت.
نزلت للواجهة.
كان واقف تحت المطر، مبلول، وشه لأول مرة مش متعصب لا، كان خايف.
ماما صوته كان أهدى. أنا أنا غلطت.
ما اتحركتش.
إنتي عايزة إيه؟ قولي وأنا أعمله بس رجّعي الحسابات.
سكت.
وبعدين قلت
أنا كنت عايزة أقعد في بيت ابني يوم واحد من غير ما أتحسب تقيلة.
نزل عينه في الأرض.
ومن ورا الزجاج، شفت كارما واقفة بعيد بتتفرج.
ما دخلتش.
ما اعتذرتش.
بس المرة دي ما اتكلمتش.
وأول مرة في حياتي، حسّيت إن البيت اللي اتقفل في وشي
بدأ هو اللي يتكسر من جوه.
وإياد بصلي وقال بصوت مكسور
أنا آسف
وسكت.
استنى الرد.
لكن اللي ماكانش فاهمه
إن اللي حصل النهارده مش مجرد زعل أم.
ده بداية حاجة اتكسرت ومش سهلة ترجع زي الأول.
وإني لسه ماخلصتش الجزء الثالث لما البيت بقى ميدان حساب
المطر كان بيزيد كأنه بيغسل الشارع من الذنب، أو
إياد كان واقف قدامي، مبلول ومرتبك، لأول مرة أشوفه مش ماسك زمام نفسه. مش نفس الولد اللي كان بيقفل