وصلت مريم إلى حفل تخرجها حافية القدمين بعد أن انكسر حذاؤها في الطريق، فضحك بعض زملائها عليها، ولم
وصلت مريم إلى حفل تخرجها حافية القدمين بعد أن انكسر حذاؤها في الطريق، فضحك بعض زملائها عليها، ولم يكونوا يعرفون أن قدميها المتشققتين ستجعلان القاعة كلها تبكي بعد دقائق.
خرجت مريم من بيتها في قرية جبلية قبل الفجر، والسماء لا تزال سوداء، تحمل فستانها الأبيض في كيس بلاستيك حتى لا يتسخ من تراب الطريق.
كانت أمها قد كوت الفستان طوال الليل، وهي تمسح دموعها بصمت، لأن هذا الفستان لم يكن مجرد قماش، بل كان حلم عائلة كاملة لم تدخل الجامعة من قبل.
قالت الأم وهي تنظر إلى الطريق الطويل متأكدة يا بنتي إنك تقدري تمشي كل المسافة؟.
ابتسمت مريم وقالت مشيت أبعد من كده عشان أوصل للجامعة يا أمي، واليوم لازم أوصل.
لكن قلبها كان يعرف أن اليوم ليس مثل أي يوم، فهذا اليوم هو يوم تخرجها بعد سنوات من الجوع والتعب والمذاكرة على ضوء الشموع.
كان حذاؤها الوحيد قد انكسر قبل أسبوعين، حاولت إصلاحه بالخيط والغراء، لكنه انفتح من جديد كأنه لم يعد يحتمل الطريق.
فكرت ألا تذهب إلى الحفل حتى لا يراها أحد حافية، لكنها تذكرت أمها وهي تبيع آخر حلق ذهب لتدفع رسوم الفصل الأخير.
بدأت تمشي فوق الحجارة الباردة، وكل خطوة كانت تؤلمها، لكن الألم كان أهون من أن تضيع لحظة انتظرتها ست سنوات.
كانت تقطع المسافة بين القرية والجامعة
مع طلوع الشمس، بدأت قدماها تحترقان، والحصى يترك علامات صغيرة من الدم، لكنها لم تتوقف.
قابلها عم سالم ومعه حماره، فقال لها بحنان اركبي يا بنتي، أوصلك شوية.
هزت رأسها وقالت لا يا عم سالم، أريد أصل اليوم بقدمي أنا.
وصلت الجامعة قبل بداية الحفل بدقائق، غسلت قدميها عند صنبور الحديقة، ولبست الفستان الأبيض في حمام صغير، ومشطت شعرها بأصابعها.
نظرت إلى المرآة فرأت فتاة متعبة، لكنها رأت أيضًا أول خريجة في عائلتها، فرفعت رأسها وخرجت.
عندما دخلت القاعة، التفتت بعض الطالبات إلى قدميها الحافيتين، وسمعت همسات وضحكات مكتومة خلفها.
احمر وجهها، لكنها لم تنظر إلى الأرض، لأن الأرض كانت تعرف قصتها أكثر منهم.
جلست في آخر الصف، تحاول إخفاء قدميها تحت الفستان، بينما قلبها يدق بين الفرح والوجع.
بدأت الكلمات عن النجاح والمستقبل والفرص، لكنها كانت تسمعها بطريقة مختلفة، لأن قدميها العاريتين كانتا تلمسان أرض القاعة الباردة.
وعندما نادوا اسمها مريم عبد الله الحداد، وقفت وسارت نحو المنصة، وكل خطوة كانت تكشف وجع الطريق أمام مئات العيون.
مدير الجامعة ناولها الشهادة بابتسامة رسمية وقال مبروك يا آنسة مريم.
أخذت الشهادة وهي تحاول ألا تبكي، لكن وهي عائدة إلى مقعدها، سمعته يقول في الميكروفون لحظة من فضلك.
توقفت مريم في منتصف القاعة، وظنت أنه سيطلب منها الخروج بسبب قدميها الحافيتين.
لكن المدير نزل من المنصة، وانحنى أمام الجميع، ووضع عينيه على آثار الدم في قدميها، ثم قال بصوت مبحوح هذه ليست طالبة فقيرة هذه جامعة كاملة تمشي على قدمين.
ساد صمت عميق، ثم بدأ يحكي للقاعة أن مريم كانت الأولى على دفعتها، وأنها رفضت منحة سفر لأنها لا تريد ترك أمها المريضة وحدها.
بكت أمها في آخر القاعة، فقد كانت قد جاءت سرًا مع عم سالم لتراها، ولم تكن مريم تعلم أنها حاضرة.
لكن الكليف هانجر الصادم لم يكن في قدميها الحافيتين ولا في تفوقها ولا في بكاء القاعة، بل عندما أعلن المدير أمام الجميع أن هناك متبرعًا مجهولًا تكفل بمنحها وظيفة ومنزلًا صغيرًا لأمها.
وعندما سألت مريم عن اسم المتبرع، تقدم عم سالم ببطء وقال أبوكِ قبل ما يموت ترك أمانة عندي وقال لا تفتحوها إلا يوم تمشي بنتي للتخرج بقدمها.
وقفت مريم تمسك شهادتها والقاعة كلها تبكي، تسأل نفسها ماذا ترك لها أبوها؟ ولماذا أخفى عم سالم الأمانة كل هذه السنوات؟ وهل كان فقرها قدرًا أم اختبارًا قبل أن ينكشف سر أبيها الأخير؟
والي عايز يعرف الباقي يكتب تمالجزء الثاني
وقفت
أبوكِ قبل ما يموت ترك أمانة عندي
الجملة دي كانت كفيلة إنها توقف الزمن جواها.
لفت بسرعة ناحية عم سالم.
عينها مش بتسأل بس كانت بتستنجد.
عم سالم نزل عينه للأرض، كأنه بيحارب سنين من الصمت، وبعدين قال بصوت مكسور
تعالي معايا.
سكتت القاعة لحظة، وبعدين همسات بدأت تنتشر زي النار.
مريم مشت وراه بخطوات تقيلة، كل خطوة كانت بتبعدها عن القاعة وتدخلها في حاجة أكبر بكتير من التخرج.
خرجوا من المبنى، لحد شجرة كبيرة قديمة في حديقة الجامعة.
عم سالم قعد على الأرض لأول مرة كأنه تعب سنين فجأة، وطلع من جيبه مفتاح صغير قديم.
قال
أبوكِ ما كانش مجرد موظف بسيط زي ما قالوا.
مريم اتجمدت.
يعني إيه؟
فتح صندوق حديد صغير كان مدفون تحت الشجرة.
جواه ملف أصفر قديم، ومذكرة صغيرة، وخاتم فضة عليه نفس علامة الجامعة.
مريم همست
ده بتاع بابا؟
هز رأسه
ده كان مشروعه ومشروع ناس كبيرة حاولت تمحيه.
فتحت أول صفحة في المذكرة
وكان مكتوب بخط والدها
لو بنتي وصلت تقرأ الكلام ده، يبقى أنا فشلت أحميها لكن هي نجت.
دموعها نزلت من غير ما تحس.
عم سالم كمل
أبوكِ كان عالم مش مجرد مدرس. اكتشف حاجة عن أراضي واتفاقات كانت هتفضح ناس فوق الكل.
وليه مات؟
سكت
وبعدين قال
ما ماتش لوحده اتقتل.
الكلمة