فقدتُ زوجتي أثناء ولادتها لابنتنا، ومنذ تلك الليلة كرهتُ الصغيرة. وبعد ستة أسابيع،
سأختارها كل مرة.
نظرتُ إلى الصغيرة داخل السرير.
كانت تحدق بي بصمت غريب وكأنها تفهم.
ثم جاء الجزء الذي حطم شيئًا داخلي تمامًا.
وأريدك أن تعرف شيئًا آخر في الليلة التي شعرتُ فيها بأنني قد لا أعود، وضعتُ السوار الأحمر حول معصمها بنفسي.
اتسعت عيناي بصدمة.
لكن كيف؟!
كنتَ نائمًا على الكرسي بالمستشفى. والممرضة سمحت لي أن أحملها لدقائق. وضعتُ السوار بيدي وقبّلتها ثم سجلتُ لك هذا الصوت.
بدأتُ أتنفس بسرعة، بينما رأسي يمتلئ بالفوضى.
إذًا لم يضعه أحد بعد موتها.
مريم فعلت.
مريم حملت ابنتها فعلًا.
ثم سمعتها تضحك ضحكة صغيرة باكية أعرفها جيدًا.
وأنا أعرفك يا إدريس أعرف أنك ستقف يومًا قرب سريرها، غاضبًا ومتعبًا، وستنظر إلى هذا السوار وعندها فقط ستبدأ برؤيتها.
انهرتُ تمامًا.
وضعتُ يدي على وجهي وأنا أبكي لأول مرة منذ موتها.
بكاءً حقيقيًا موجوعًا طويلًا.
وفي الخلفية، استمر صوت مريم
لا تتركها تشعر يومًا بأنها السبب في رحيلي لأن الحقيقة أنها آخر شيء أحببته في هذه الدنيا.
رفعتُ عيني نحو مزنة.
كانت قد توقفت عن البكاء تمامًا.
وذراعها الصغيرة ما تزال ممدودة نحوي.
لثوانٍ طويلة ظللتُ أحدق فيها
ثم لأول مرة منذ ولادتها
حملتها.
كانت خفيفة جدًا.
ودافئة جدًا.
وفور أن التصقت بصدرى، أطلقت تنهيدة صغيرة واستكانت، كأنها كانت تنتظر هذا الحضن منذ ستة أسابيع كاملة.
دفنتُ وجهي في شعرها الناعم وأنا أرتجف.
وهمستُ بصوت مكسور
أنا
لكن المفاجأة الحقيقية لم تكن التسجيل.
بل ما وجدته بعد انتهائه.
ظهرت رسالة أخرى على الشاشة.
مؤجلة الإرسال.
بعنوان واحد فقط
إلى مزنة عندما تكبر.
ترددتُ طويلًا قبل فتحها.
ثم ضغطت.
وظهر فيديو قصير لمريم داخل غرفة الصغيرة قبل الولادة بأيام.
كانت تضحك للكاميرا وهي تضع يدها على بطنها المنتفخ.
ثم قالت
إذا كنتِ تشاهدين هذا يا مزنة فربما أكون لستُ معكِ الآن. لكن أريدك أن تعرفي أن أباكِ يحبك أكثر من أي شيء.
شهقتُ باختناق.
ثم نظرت مريم داخل الكاميرا مباشرة وأضافت
حتى لو أخذ منه الحزن وقتًا طويلًا ليفهم ذلك.
وفي تلك اللحظة
بدأت مزنة تبكي مجددًا.
لكن هذه المرة
لم أشعر بالغضب.
ضممتها إليّ أكثر، ومشيت بها نحو شرفة البيت المطلة على النيل.
وكان الأذان الأول للفجر يرتفع بعيدًا
بينما للمرة الأولى منذ موت مريم
شعرتُ أن البيت لم يعد قبرًا وقفتُ في الشرفة أحمل مزنة بين ذراعي، بينما نسيم الفجر البارد يمر فوق النيل بهدوء.
كانت الصغيرة نائمة على صدري، ويدي تتحرك على ظهرها بحذر كأنني أخشى أن تختفي لو أفلتُّها.
وفي الداخل، ظل هاتف مريم مضيئًا فوق الطاولة.
نظرتُ إليه طويلًا.
ثم عدتُ ببطء إلى الغرفة.
كانت هناك ملفات أخرى داخل الهاتف صور تسجيلات قصيرة وملاحظات كتبتها مريم خلال شهور الحمل.
كل شيء مرتب بعناية غريبة، كأنها كانت تستعد لغيابها منذ البداية.
شعرتُ بغصة تخنقني.
فتحتُ صورة لها داخل متجر صغير
كانت ترفع فستانًا ورديًا صغيرًا وتضحك للكاميرا.
أسفل الصورة كتبت
إدريس سيقول إن اللون مبالغ فيه لكنه سيشتريه في النهاية.
انكسرتُ من الداخل أكثر.
لأنها كانت تعرفني فعلًا.
مرّت الأيام التالية مختلفة.
صرتُ أستيقظ قبل بكاء مزنة أحيانًا.
أحملها أبدّل ملابسها وأجلس معها قرب النافذة بينما الشمس تملأ البيت ببطء.
أمي كانت تراقبني بصمت.
وفي أحد الصباحات، قالت وهي تكتم دموعها
أخيرًا صرتَ تنظر إليها كأنها ابنتك.
لم أستطع الرد.
لأن الحقيقة كانت أقسى.
كنتُ أكتشف كل يوم كم ظلمتها.
وفي مساء اليوم التاسع بعد سماع التسجيل، حدث شيء غريب.
كنتُ أرتب خزانة مريم للمرة الأولى منذ وفاتها، عندما سقط صندوق أبيض صغير من الرف العلوي.
الصندوق نفسه الذي وضعت فيه السوار الأحمر.
ترددتُ قبل فتحه.
لكنني فعلت.
وفي الداخل وجدتُ أشياء صغيرة جوارب طفلة رسالة مطوية وصورة أشعة قديمة.
فتحتُ الرسالة أولًا.
وكان خط مريم المرتبك يملأ الورقة
إذا وصل إدريس إلى هنا فهذا يعني أنه بدأ يسامح نفسه.
أغلقتُ عيني بألم.
ثم أكملت القراءة.
هناك شيء أخفيته عنه لأنني كنتُ خائفة ليس على نفسي، بل عليه.
تسارعت أنفاسي.
في الشهر الخامس، أخبرني الطبيب أن الحمل قد يهدد حياتي وعندما خرج إدريس ليجلب القهوة، سألني سؤالًا لن أنساه أبدًا لو اضطررنا للاختيار هل أختار حياتك أم حياة الطفلة؟
شعرتُ بقلبي يتوقف.
ثم تذكرت.
تذكرتُ تلك الليلة فعلًا.
كنتُ مرعوبًا
مرعوبًا من خسارتها.
أكملتُ القراءة بيد مرتجفة
وعندما أخبرته أنني سأختار ابنتنا رأيت الخوف في عينيه يتحول إلى غضب.
سقطتُ جالسًا على الأرض.
يا الله
لهذا السبب كنتُ أهرب من مزنة.
لأن جزءًا مني كان يعرف الحقيقة منذ البداية.
أنا لم أكره ابنتي لأنها أخذت مريم مني
بل لأن مريم اختارتها.
وانفجرتُ بالبكاء مجددًا.
لكن هذه المرة، سمعتُ صوتًا صغيرًا خلفي.
التفتُّ بسرعة.
كانت أمي تقف عند الباب.
ولا أعرف منذ متى وهي تسمع.
اقتربت مني ببطء، ثم قالت بصوت هادئ
مريم لم تختر مزنة بدلًا منك يا إدريس مريم اختارت أن تترك جزءًا منها معك حتى لا تبقى وحدك.
لم أتمالك نفسي.
وضعتُ رأسي على ركبتيّ وأنا أبكي كطفل صغير.
وفي تلك اللحظة
صدر صوت بكاء خافت من الغرفة الأخرى.
مزنة استيقظت.
نهضتُ فورًا دون تفكير.
وحين حملتها هذه المرة
تعلقت أصابعها الصغيرة بقميصي بقوة.
كأنها ترفض أن أبتعد.
ابتسمتُ رغم دموعي.
ثم همستُ لها لأول مرة باسمها الحقيقي
مزنة
فتحت عينيها الواسعتين نحوي مباشرة.
وفي تلك اللحظة بالذات
أدركتُ شيئًا أخافني أكثر من الحزن نفسه.
كنتُ بدأتُ أحبها فعلًا.
لكنني لم أكن أعرف بعد
أن هناك سرًا أخيرًا أخفته مريم داخل الهاتف.
سرًا سيجعلني أعود إلى المستشفى بعد أربعين يومًا من دفنها وأواجه الطبيب الذي سلّمني شهادة وفاتها بيدي مرّت أربعون يومًا على وفاة مريم.
أربعون يومًا وأنا أحاول أن أتعلم كيف أكون
صارت مزنة تنام أحيانًا فوق صدري، وصرتُ أحفظ أصوات بكائها المختلفة بكاء الجوع، وبكاء الخوف،