انتي عارفه

لمحة نيوز

إنتي عارفة إن فرحي بعد بكرة على أنضف بنت.. بنت أنا اللي جريت وراها عشان توافق بيا، مش فضلت ماشي معاها سنة من ورا أهلها!"
الكلمات دي كانت بتطلع من بوق "ياسين" زي طلقات الرصاص، بتخترق قلب "سلمى" اللي كانت واقفة قدامه ومش مصدقة إن ده هو نفسه الإنسان اللي كانت بتسهر معاه تليفونات لحد الفجر، اللي كانت بتسرق دقايق من يومها عشان تسمع صوته، اللي صدقت وعوده إنها هتكون "أم ولاده".
سلمى حست إن الأرض بتلف بيها، دموعها كانت محبوسة في عينيها من كتر الصدمة، وصوتها طلع مخنوق:
"يعني أنا وحشة يا ياسين؟ أنا اللي رخصت نفسي عشان صدقتك وفتحت لك قلبي؟"
ياسين عدل نضارته الشمسية ببرود، وبص لها بنظرة استعلاء وجعتها أكتر من كلامه:
"مقلتش وحشة، بس إنتي 'سهلة'.. والسهلة متنفعش تشيل اسمي. اللي وافقت تكلمني وتخرج تقابلني من ورا أبوها، بكرة تضحك على جوزها وتكلم غيره. أنا خطبت اللي تصون غيبتي، اللي ملمستش تليفون قبلي."
سلمى حست كأن فيه سكين غرز في قلبها. الكلمات الباردة دي كانت كافية إنها تمحي أي ذكرى حلوة كانت بينهم. 
ياسين كمل كلامه وهو بيلف عشان يركب عربيته الأحدث موديل:
"ها يا سلمى، إيه رأيك؟ مش دي الحقيقة اللي إنتي خايفة تواجهيها؟ إنتي كنتي مجرد وقت ضايع، لكن الجد ليه ناسه."
سلمى سكتت، الدموع كانت

متحجرة في عينيها. الفرحة اللي كانت مالياها طول السنة اللي فاتت طارت. كل الأحلام الوردية اللي كانت راسماها اتكسرت في لحظة. افتكرت ثقة أبوها فيها، افتكرت أمها وهي بتقولها "إنتي فخرنا يا سلمى"، وحست بكسرة نفس معمرهاش حست بيها قبل كده.
لو رجعت دلوقتي، هتقول لقلبها إيه؟ إنها اتخدعت؟ إنها كانت مجرد "تسلية"؟
خدت سلمى نفس عميق وحاولت تخلي صوتها ثابت على قد ما تقدر، رغم إن الوجع كان بياكل في كرامتها:
"تمام يا ياسين.. اللي تشوفه. بس افتكر كويس إن اللي بتسميها 'نضيفة' دي، ممكن تكون بتعرف تخبي أحسن مني.. والزمن دوار."
ياسين ضحك ضحكة قصيرة مستفزة، ودور العربية ومشي، وساب وراه "سلمى" واقفة في نص الطريق، حاسة إن رجليها مش شايلاها.

مرت الساعات كأنها سنين، وسلمى في صراع بين وجعها وخوفها. مكنتش خايفة من ياسين، كانت خايفة من نظرة الشك في عين أبوها لو شافه دبلانة، أو سؤال أمها الملح: "مالك يا بنتي؟". عشان كدة، لما ياسين بعتلها "كارت الفرح" مع واحد صاحبه، مكنش قصده يعزمها، كان قصده يكسر اللي فاضل منها، يوريها "النضيفة" وهي في حضنه.
سلمى مسكت الكارت، وبصت لاسمه المكتوب بماء الذهب جنب اسم "شهد". ضغطت على الكارت لحد ما اتكرمش في إيدها، وقررت.. "هروح، هروح عشان أثبت لنفسي إني أقوى من كدة، وعشان مفيش

حد من أهلي يشك في حاجة".
يوم الفرح..
البيت كان هادي، وسلمى واقفة قدام المراية، بتحط مكياج تقيل عشان تداري الهالات السودا اللي رسمها السهر والعياط تحت عينيها.
"إيه الحلاوة دي يا سلمى! رايحة فين يا بنتي؟"
صوت أبوها من وراها خلاها تتنفض. لفت بابتسامة مصطنعة، ووشها كله مرسوم عليه فرحة كدابة:
"دي صاحبتي في الكلية يا بابا، فرحها النهاردة وعزمتني.. مش هتأخر."
أبوها ابتسم بفخر وباس راسها: "ماشي يا حبيبتي، خدي بالك من نفسك، إنتي عارفة إني ماليش غيرك وإنتي اللي رافعة راسي."
الكلمة نزلت على قلبها كأنها جمرة نار. "رافعة راسي".. خبطت الكلمة في وجعها، وحست بمرارة وهي بتفتكر عيرة ياسين ليها.
وصلت القاعة، الأنوار كانت بتبهر العين، والمزيكا صوتها عالي لدرجة تخلي القلب يدق بعنف. سلمى كانت ماشية وسط الناس بضهر مفرود، وراس مرفوعة، ولابسة فستان شيك كأنها هي العروسة. كل اللي يشوفها يقول "يا بختها بجمالها"، ومحدش يعرف إن تحت الفستان ده فيه روح بتنزف.
شافت "ياسين" من بعيد، كان واقف بيضحك بملء بقه، وماسك إيد "شهد" اللي كانت لابسة الأبيض وفخورة بنفسها. أول ما عينه جت في عين سلمى، الضحكة تاهت من وشه لحظة، استغرب إنها جت، واستغرب أكتر إنها بالجمال والقوة دي.

وقفت سلمى مكانها، المسافة بينها وبين الكوشة

كانت كام متر، بس في اللحظة دي المسافة دي كشفتلها حقيقة مكنتش تتخيلها. شهد العروسة أول ما لفت وشها وضحكت ضحكة عالية للمعازيم، سلمى حست إن الزمن وقف.. الملامح دي مش غريبة عليها، "شهد" هي هي "رنا"!
​"مش ممكن.. هي دي؟ هي دي اللي جري وراها عشان يتجوزها؟"
​سلمى حست برعشة في جسمها، بس المرة دي مكنتش رعشة خوف، كانت رعشة "ذهول" متبوع بانتصار هادي. سلمى كانت عارفة البنت دي كويس أوي من أيام المدرسة في المحافظة التانية قبل ما ينقلوا القاهرة، كانت عارفة حكاياتها، وعارفة إن "رنا" اللي بقت "شهد" دلوقتي، كان ليها قصة كبيرة هزت المنطقة وقتها، قصة خلت أهلها يغيروا مكان سكنهم واسمها عشان يداروا على اللي حصل!
​سلمى بصت لياسين اللي كان واقف نافش ريشه بـ "النضيفة"، وفجأة الضحكة اللي كانت كاتماها، طلعت غصب عنها.. ابتسامة واسعة، حقيقية، نابعة من قلب كان محروق وفجأة برد.
​سلمى قربت من الكوشة بخطوات واثقة، وعينها في عين شهد اللي أول ما شافت سلمى وركزت في وشها، ملامحها اتخطفت، والبوكيه اللي في إيدها كان هيقع من كتر الرعشة.
​ياسين استغرب ضحكة سلمى، وبص لها بغيظ وهو بيهمس:
​"إيه يا سلمى؟ ضحكتك دي معناها إيه؟ مش قادرة تصدقي إنك خسرتيني؟"
سلمى بصت لياسين بنظرة هادية جداً، نظرة خلت ريقه ينشف. مابينتش أي حاجة
من اللي عرفتها، بالعكس، رسمت على وشها

تم نسخ الرابط