نجت من حادثه
نجت من حادثة موت وبقت مشلولة... وجوزها وزوجته الجديده بدأوا يوزعوا ثروتها، لحد ما الدكتور نطق بالكلمة اللي صدمتهم.
أول حاجة حسيتها "سلمى" بعد الحادثة المرعبة كانت ريحة المطهرات القوية في المستشفى.
كانت سامعة التزييقة بتاعة جهاز التنفس الصناعي، وصوت باب الرعاية المركزة وهو بيقفل، وصوت جوزها "طارق" الهادي والبارد وهو بيتكلم في التليفون جنب سريرها. بس الحاجة الوحيدة اللي ماقدرتش تعملها، مهما حاولت بكل ذرة في كيانها، إنها تفتح عينيها أو تحرك حتى صباع واحد.
سلمى ماكانتش ميتة.
كانت مدفونة بالحيا جوه جسمها المتكسر.
من يومين بالظبط، كانت سايقة عربيتها على الطريق السريع فجأة الفرامل سابت. العربية انحرفت، اتقلبت، والدنيا ضلمت خالص. ولما وعيها رجعلها، اكتشفت إن عقلها شغال مية المية، بس جسمها عبارة عن جثة بتتنفس.
غيبوبة كدابة... أو زي ما بيسموها "متلازمة الانحباس".
طارق قال ببرود، وكأنه بيطلب فنجان قهوة:
— أيوة يا ندى، الدكتور قال إنها مسألة وقت. المخ اتدمر. تقدري تبدأي تنقلي ملكية الأسهم بهدوء، أنا هبقى الوصي القانوني بكرة.
سلمى صرخت من جواها لحد ما حنجرتها الوهمية كانت هتتقطع.
ندى! سكرتيرتها، وصاحبتها.. ودلوقتي عشيقته وشريكته في اللعبة.
قربت حماتها، صفاء، من السرير، ووقفت
— وهنعمل إيه في ابنها "عمر"؟ وجود عيل عنده خمس سنين هيعطل خططنا وسفرنا.
رد طارق بلامبالاة:
— هرميه في مدرسة داخلية شديدة بره مصر. ماتقلقيش، مش هيبقى عقبة.
عقبة!
ابنها الوحيد اللي بتفديه بروحها، بقى "عقبة" في طريق استمتاعهم بفلوسها اللي عملتها بدمها وشقاها.
على مدار الأربع أيام اللي بعدها، سلمى سمعت تفاصيل خطتهم الزبالة بتتكشف لحظة بلحظة. عرفت إن حادثة العربية ماكانتش قضاء وقدر، لأ، ده كان "عطل متعمد" طارق اللي مرتبه. سمعت ندى وهي واقفة جنب سريرها، حاطة من برفان سلمى المفضل، وبتتذمر من تأخير إجراءات "إعلان الوفاة الإكلينيكية". ورئيس قسم الجراحة أكد إن الحالة ميئوس منها وإن الأجهزة هي اللي مخلياها عايشة.
سلمى كانت سامعة كل حرف.
بس اللي هما مايعرفهوش، إنها من شهر فات، لما بدأت تلاحظ فلوس بتختفي من حسابات الشركة وتصرفات طارق الغريبة، كانت خدت احتياطاتها. عينت محقق خاص. كتبت وصية جديدة محدش يقدر يلمسها، وشالت أدلة تدينهم في صندوق أمانات عند محاميها العجوز "فريد"، مع تعليمات صارمة إنه يتفتح لو حصلها أي حاجة.
بس كل ده مش هينقذ ابنها "عمر" لو فصلوا عنها الأجهزة دلوقتي!
في الليلة الخامسة، دخل دكتور شاب لسه متخرج اسمه "ياسين" عشان يراجع العلامات الحيوية.
همس وهو بيقرب من ودنها:
— سلمى هانم... إنتي سامعاني؟
حاولت سلمى تصرخ، تبكي، تحرك جفونها... مفيش.
مسك ياسين كشاف صغير ومشاه فوق نني عينيها، وبعدين قال بصوت واطي جداً:
— لو إنتي محبوسة جوه وسامعاني، ماتحاوليش تتحركي... حاولي بس تخلي تنفسك أسرع شوية من جهاز التنفس. عافري مع الجهاز.
سلمى جمعت كل طاقة الكون في صدرها. قاومت الإيقاع الآلي... طلعت زفير بقوة... وبعدين سحبت هوا أسرع بجزء من الثانية.
مؤشر التنفس على الشاشة اتغير.
ياسين اتسمر في مكانه، وابتسم وعينيه بتلمع بالدموع.
وفي اللحظة دي، وسط الضلمة والخيانة والشلل، سلمى حسّت بالدفا.
أخيراً في حد شافها وحس بيها.
قواعد اللعبة اتغيرت في صمت. ياسين بدأ يغير جرعات الأدوية في السر، وطلب فحوصات أعصاب دقيقة بحجة "دراسة حالة" عشان مايلفتش انتباه رئيس القسم المتواطئ أو الكسلان. كان بيوشوش سلمى كل ليلة عشان يطمنها، ويقولها أخبار ابنها عمر.
في اليوم السابع، كان طارق خلص كل الترتيبات. واقف في الأوضة ومعاه ورق رسمي، وجنبه ندى وحماتها، مستنيين كبير الأطباء عشان يمضي على قرار "الرحمة" ويفصلوا الأجهزة نهائياً.
طارق كان ماسك القلم، والابتسامة هتشق وشه وهو بيمثل الحزن.
وفي اللحظة اللي حط فيها سن
دخل المحامي "فريد" بوش صارم، وماكانش لوحده. كان معاه ظابطين شرطة، والدكتور الشاب ياسين.
قال ياسين بصوت حاسم قطع الصمت المميت:
— وقفوا المهزلة دي. المريضة دي مش في غيبوبة، ومخها سليم مية المية. هي عندها متلازمة الانحباس، وواعية وسامعة كل كلمة بتتقال في الأوضة دي!
القلم وقع من إيد طارق.
ندى رجعت لورا لحد ما خبطت في الحيطة وكأنها شافت عفريت.
وصفاء شهقت وحطت إيدها على بؤها برعب.
سلمى كانت سامعة أنفاسهم المرعوبة، وكانت هتبتسم من جواها.
لأول مرة من وقت الحادثة، مابقتش مجرد جثة مستنية الدفن، دي بقت صيادة مستنية فريستها.
بس التقيل لسه ماجاش...
#الكاتبه_نور_محمد
يا ترى سلمى هتقدر ترجع تتحكم في جسمها عشان تنتقم بنفسها؟ وإيه اللي المحامي فريد لقاه في الصندوق السري اللي هيقلب حياة طارق لجحيم أسوأ من الموت؟ساد صمت تقيل في أوضة العناية المركزة.
صمت تقيل لدرجة إن صوت جهاز القلب كان واضح زي الطبول في جنازة.
طارق حاول يتمالك نفسه: — إنت بتقول إيه يا دكتور؟ دي فاقدة الوعي بقالها أسبوع!
ياسين رفع ملف الأشعة والتحاليل: — فاقدة القدرة على الحركة، مش الوعي. مخها شغال طبيعي. يعني… كانت سامعة كل كلمة قلتها عن قتلها، وعن رمي ابنها، وعن سرقة فلوسها.
الظابط قرب من طارق: — تحب تعيد الكلام ده في القسم؟