بنت جميله

لمحة نيوز

بنت جميلة جدًا… جمالها كان ملفت بشكل غريب، لكن اللي كان أغرب إنها كانت بتنام جنب صندوق زبالة في آخر الشارع اللي فيه مكتبي.
كنت بشوفها كل يوم تقريبًا وأنا رايح الشغل أو راجع منه. في الأول كنت أبص لها بسرعة وأكمل طريقي، لكن مع الوقت بقيت ألاقي نفسي بفكر فيها كتير.

كنت أرجع أقول لنفسي:
"مالك ومالها… دي بنت عايشة في الشارع، وأكيد ظروفها مش معروفة."

لكن في يوم وأنا راجع من الشغل، لقيتها قاعدة مكانها زي كل مرة. وقفت عربيتي قدام الرصيف ونزلت. قربت منها وقلت لها بهدوء:

"إنتي كويسة؟ محتاجة حاجة؟"

رفعت عينيها وبصت لي بسرعة وقالت:
"لا… الحمد لله."

كان واضح عليها الجوع جدًا، فطلعت فلوس وادتهالها.
خدتهم وسابتني ومشيت ناحية مطعم فول وطعمية قريب. طلبت أكل وقعدت على الرصيف تاكل بسرعة غريبة… كأن بقالها أيام ما دخلش بطنها لقمة.

وقفت أبص لها شوية.
اللي يشوفها وهي ساكتة كده ما يصدقش

إنها بنت شوارع… ملامحها رقيقة جدًا وجميلة بشكل طبيعي.

حاولت أفتح معاها كلام، لكنها كانت مشغولة بالأكل تمامًا، فسيبتها ومشيت.

لكن الغريبة إن صورتها ما خرجتش من دماغي.

تاني يوم الصبح، وأنا رايح المكتب، عديت من نفس المكان. لقيتها قاعدة زي ما هي.
المرة دي ركنت عربيتي وقعدت جنبها.

قلت لها:
"هو إنتي بقالك قد إيه هنا؟"

كنت جايب معايا سندوتشات وفطار. ادتهولها، خدتهم وسكتت وبدأت تاكل.
حكايات رومانى مكرم 
بعد ما خلصت الأكل، قالت كلمة واحدة بس:
"نصيبي."

استغربت وسألتها:
"نصيبك إيه؟ قصدك إيه بالكلام ده؟"

تنهدت وقالت:
"نصيبي في الدنيا كده."

سألتها:
"اسمك إيه الأول؟"

قالت:
"اسمي مريم."

قلت لها:
"طب احكيلي يا مريم… إيه اللي خلاكي تعيشي في الشارع؟"

سكتت لحظة وبعدين قالت:

"أنا من وأنا صغيرة عايشة مع ست كبيرة اسمها الحاجة زينب. هي اللي ربتني… بس الحقيقة إني ماكنتش بنتها.

"

اتكلمت بهدوء وهي بتبص قدامها:

"قالتلي إنها لقتني وأنا رضيعة… ملفوفة في قماشة ومترمية قدام باب بيتها في حارة في شبرا."

وأضافت:
"فضلت تسأل عليا كتير، يمكن حد ييجي يدور عليا… بس محدش جه."

"الناس قالولها تربي البنت وتعتبرها رزق ربنا."

وكملت:
"عشت معاها سنين… كانت بتشتغل شغل بسيط وتصرف علينا."

"ولما كبرت هي في السن وتعبت… بقيت أنا اللي بخدمها."

سكتت لحظة وقالت بصوت واطي:
"كانت بالنسبة لي كل حاجة."

ثم أكملت:

"في يوم صحيتها عشان تاخد الدوا… لكنها ما ردتش عليا."

"قعدت جنبها أبكي ومش فاهمة إيه اللي حصل."
حكايات رومانى مكرم 
"الجيران دخلوا وقالوا لي إنها ماتت."

تنهدت وقالت:

"بلغوا ولادها… ولما جم بعد الدفنة، قالولي أسيب الشقة."

قلت لها مصدوم:
"إزاي؟!"

قالت:
"قالوا دي شقتهم… وأنا مليش حق فيها."

"باعوها… وطردوني."

"لفيت على الناس يمكن حد يشغلني أو يخليني أقعد

عنده… بس محدش رضي."

"وفي الآخر لقيت نفسي في الشارع."

سألتها:
"طب ما حاولتي تشتغلي؟"

قالت:
"حاولت."

"بس كل شغل يطلب بطاقة أو أوراق… وأنا معنديش أي حاجة تثبت أنا مين."

وسكتت لحظة وبعدين قالت:

"وفيه ناس حاولت تستغلني… بس كنت بسيب المكان وأمشي."

ثم بصت لي وسألتني:

"وإنت بقى… ليه مهتم بيا كده؟"

"أوعى يكون عندك نية مش كويسة؟"

قلت بسرعة:

"لا… بالعكس."

"أنا معجب بقوتك… إنك رغم كل اللي مريتي بيه لسه محافظة على نفسك."

ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت:

"الفضل للحاجة زينب… هي اللي علمتني الصح."

ثم قالت بحزن:

"أنا مش عايزة طفل ييجي الدنيا من غير اسم… يعيش نفس اللي أنا عايشاه."

"ربنا يسامح اللي جابوني للدنيا ورموني."

"يمكن كانت لحظة غلط في حياتهم… بس أنا اللي بدفع التمن طول عمري."

وبعدين قالت:

"تفتكر واحدة عاشت كل ده ممكن تبيع نفسها؟"

قلت:
"مستحيل."

وسكت شوية وبعدين

قلت لها:

"بس بصراحة… إنتي ممكن تكوني الحل لمشكلة كبيرة عندي."

استغربت وقالت:
"مشكلة إيه؟"

قلت لها:

"هقولك لما أرجع من الشغل."

"أنا اتأخرت."

تم نسخ الرابط