بعد مرور خمس سنين

لمحة نيوز

بعد مرور خمس سنين من اللي حصل، كنت مستني اللحظة دي طول الوقت… اللحظة اللي هرجع فيها للحي القديم وأشوف سارة قدامي.
بس الحقيقة كانت مختلفة تمامًا عن اللي كنت متخيله.
أنا ماكنتش راجع عشان أزعلها بس أو أوريها إني بقيت أغنى وأقوى.
لا، أنا رجعت عشان أشوف مين أنا بقيت بعد كل اللي حصل.
العربية اللي سايقها دلوقتي كانت مجرد بداية.
مشيت في الشارع الباهت من الشمس، والأزقة الصغيرة، وأنا بحس كل خطوة فيها بتديني قوة جديدة.
لما وصلت للباب، رنّيت الجرس.
سارة فتحت.
بس المرة دي، مش كان فيها مفاجأة.
مفيش خوف، مفيش صدمة… بس كانت في عينيها دهشة بسيطة.
– "أحمد؟" قالت، بصوت هادي.
وقفت متجمد.
لأني لأول مرة… ما حسيتش بغضب.
ما حسيتش بجرح.
بس حسيت بحاجة تانية… إحساس غريب بالسلام.
بعد خمس سنين من الألم، وبعد كل الخيانة والفقد، أنا أخيرًا كنت واقف قدامها… وأنا شخص مختلف.
سارة بصتلي تاني، وقالت جملة واحدة:
– "انت بقيت مختلف… مش الشخص اللي كنت أعرفه."
ضحكت ضحكة صغيرة.
ضحكة فيها اعتراف… فيها ندم.
بس أنا كنت أعرف، دلوقتي، إن مش كل حاجة محتاجة اعتذار.
بعض الدروس أهم من

أي كلمة.
بعض اللحظات أهم من أي صدمة.
خدت نفس طويل…
وبعدين ابتسمت.
– "أيوه… أنا مختلف. مش عشان أزعلك، بس عشان أعيش حياتي دلوقتي."
سارة وقفت قدامي، عيونها مليانة مشاعر مختلطة…
بس أنا مش محتاج أسمع أي كلام تاني.
في اللحظة دي، فهمت حاجة كبيرة:
إن القوة الحقيقية مش في الرجوع والانتقام.
القوة الحقيقية… إنها تعرف تعيش بعد الألم، وتبني نفسك من جديد.
مش مهم مين خانك، أو مين حاول يكسرلك قلبك.
المهم مين بقيت… وإنت واقف دلوقتي، وشايف حياتك قدامك.
ده كان الدرس اللي خدتُه من كل خمس سنين الألم والخيانة والخذلان.
وقفت هناك، في الشارع اللي عارفته من زمان، عارف إن حياتي لسه قدامي… وإن أنا بقيت الشخص اللي عمره ما كان يتخيلوه اللي حواليه من خمس سنين.بعد خمس سنين، رجعت للحي القديم بتاعي.
مش رجعة عشان حد يندم، ولا عشان أوريهم أنا بقيت أغنى أو أقوى.
رجعت عشان أشوف نفسي… مين أنا بقيت بعد كل اللي فات.
الشارع نفس الزقاق الضيق، اللوحة القديمة للشارع الأزرق باهتة من الشمس… كل حاجة أصغر من ما كنت فاكرها.
البيوت، الرصيف المتشقق، عربانة الفلافل على الزاوية… كل حاجة
عاملة إحساس غريب جوه قلبي، إحساس كأن الزمن رجع بيا ورا، بس في نفس الوقت مش أنا نفس الشخص اللي كان هنا قبل خمس سنين.
مسكت مفاتيح العربية بإيدي وضحكت ضحكة صغيرة.
كنت فاكر قبل خمس سنين إن حياتي هتبقى صعبة… والنهاردة، أنا واقف هنا، عارف إني بنيت نفسي من جديد.
أيام زمان، كنت عندي شغل غير ثابت كمبرمج فريلانس، وفواتيري كانت مش مخلصه، وكل يوم كان فيه تحدي جديد.
كنت عندي طموح… أحلام كبيرة… بس الظروف كانت تقيلة.
كنت سايب كل حاجة لليوم، بعمل كل حاجة على قد حالي… بس نفسيتي كانت محتاجة تتغير، وكنت محتاج أتعلم إزاي أبني حياتي خطوة خطوة من غير أي خوف.
اسم مراتي كان سارة محمد… وقفت جنبيا في كل خطوة، وده كان سبب كبير إني ما وقفتش أبداً.
اتقابلنا وإحنا طلبة في الجامعة… وأنا بدرس هندسة نظم وهي بتدرس تسويق.
كان عندنا حلم واحد… نعيش حياة مستقلة، نحقق أحلامنا سوا، ونتعلم نكون ناس أفضل كل يوم.
في البداية، كل حاجة كانت بسيطة.
شقة صغيرة في شبرا… كنبة قديمة اشتريناها أونلاين… وترابيزة خشب ركبتها بنفسي يوم أحد بعد الظهر.
ماكانش معانا فلوس كتير… بس كنا مبسوطين… وده
كان أهم حاجة.
أيام الجامعة كانت مليانة ذكريات جميلة.
نذاكر سوا، نشتغل شغل جزئي، نمشي على الكورنيش بعد المحاضرات ونتكلم عن أحلامنا المستقبلية…
كنت بحلم أفتح شركة تكنولوجيا يوم من الأيام، وسارة كانت بتحلم تشتغل في التسويق لشركة كبيرة.
كنا نعرف إن الطريق مش سهل، بس كنا عايزين نواجهه سوا.
بعد التخرج، بدأنا نشتغل ونتعلم…
شغلي كان فريلانس ومتقلب… بعض الشهور كنت بكفي مصاريف البيت، وشهور تانية بالكاد أجيب الأساسيات.
سارة بدأت شغلها في وكالة تسويق، وكانت بتتعلم بسرعة وتكبر مهاراتها… وده كان مصدر فخر ليا.
كنت دايمًا بشوف قدام عنيا إننا بنتغير… بنتعلم… وبنقدر نعيش حياة أفضل لو صبرنا وعملنا مجهود.
أنا اتعلمت حاجة مهمة… إن الحياة مش دايمًا سهلة، وكل يوم فيه درس جديد.
مش مهم نوقع… المهم نعرف نوقف تاني ونمشي.
مش مهم الظروف صعبة… المهم إزاي نتعامل معاها ونطلع أقوى.
خمس سنين من المجهود… خمس سنين من التعلم والصبر… خمس سنين من مواجهة المخاوف والتحديات.
رجعت للحي القديم، ووقفتي عند باب الشقة… سارة فتحت الباب.
– "أحمد؟" قالت بصوت هادي، وعينيها مليانة دهشة.

وقفت متجمد… مش من الغضب ولا الحزن… بس من شعور غريب بالسلام 

تم نسخ الرابط